محمد بن محمد ابو شهبة
248
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وقد زوجها إياه ابنها سلمة ، وأصدقها رسول اللّه فراشا حشوه ليف ، وقدحا ، وصحفة ، ومجشة - أي رحى - . وقد تربى أولادها الصغار في بيت النبي ، مما جعلهم لا يشعرون بمرارة اليتم وذل الحاجة . الحكمة في زواجها ومن ثمّ نرى أن زواج رسول اللّه بها لم يكن إلا جبرا لخاطرها وكسرها ، وحفظا لها ولأولادها من الضّيعة ، وقد سمعت انفا أنها ما كانت تعدل بأبي سلمة أحدا ، ولولا أن رسول اللّه تقدم إليها لما رضيت بالزواج من أي رجل أيا كان في قومها ، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة إلا رسول اللّه الذي لم يكن يخطر لها على بال أثناء مقالتها ، وأيضا فقد كان هذا الزواج وفاء بحق زوج من خيار المسلمين ، وخاطر بنفسه في سبيل اللّه ، وبهذا الزواج ضرب رسول اللّه أروع الأمثال في باب المواساة بالنفس والمال ، ووضع الأساس الصالح لأولي الأمر في رعاية حقوق المواطن المؤمن الصالح ، والجندي الباسل المضحي بنفسه في سبيل اللّه ورسوله . فهذه الاعتبارات السامية هي التي حدت برسول اللّه أن يتزوج بها ، لا كما يزعم بعض المتخرصين من أن ذلك كان لجمالها ، وهي بشهادتها كانت مسنة ، ومهما قيل في بقاء مسحة من جمال الشباب عليها فهناك - ولا ريب - من الشابات الأبكار الشريفات من يفقنها في هذا ، وللشباب ماله من سحر وفتنة ، وإنكار ذلك مكابرة ، ولا أدري كيف يرغب رجل شهواني - كما زعموا - في امرأة مسنة مترهلة ، وذات شغل شاغل بعيالها ؟ ألا كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا . وقد كانت عاقلة عالمة راوية ، روت عن رسول اللّه بالذات وبالواسطة ، وعن غيره من الصحابة ، وعنها روى الكثيرون ، وقد ساهمت في نشر العلم والحكمة عن رسول اللّه ، وبسبب سؤالها للنبي نزلت بعض آيات القران وتشريعاته ، وهي اخر أمهات المؤمنين وفاة كما قال الحافظان الذهبي وابن حجر ، وكان وفاتها سنة اثنتين وستين بعد مقتل الحسين إبان حكم يزيد بن معاوية ، وقيل غير