محمد بن محمد ابو شهبة
241
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وكان وصول خبر سرية الرجيع وبئر معونة في يوم واحد ، فحزن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون حزنا شديدا عليهم لم يخفف منه إلا أنهم شهداء عند ربهم يرزقون ، ولقد بلغ حزن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مكث شهرا يدعو في صلاة الصبح على رعل وذكوان وعصية الذين غدروا بالقراء . وروى البخاري أن النبي لما نعى القراء قال : « إن أصحابكم قد أصيبوا ، وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا : ربّنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ، ورضيت عنا ، فأخبرهم عنهم ، فأنزل اللّه فيهم قرانا كان يتلى : بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا » ، ثم نسخ بعد « 1 » . وقفة عند سرية الرجيع وبئر معونة : وإنّ لنا لوقفة ترينا كيف يستهين الإيمان بالكثرة حينما قاتل بضعة نفر غرباء عن ديارهم مائتي رجل في عقر دارهم ، وكيف يسمو الإيمان عن الضعف والاستخذاء والترخص ويأبى إلا العزيمة . فقد كان يمكن لزيد وخبيب أن يظهرا كلمة الكفر ، أو أن ينالا من النبي وقلبهما مطمئن بالإيمان ، ليكون سببا في نجاتهما من القتل والصلب ، ولكن أولي العزائم الثابتة ، والعقائد الصادقة ، يأبون إلا أن يموتوا أبطالا كما عاشوا أبطالا . ولو أن خبيبا المأسور ليقتل بعد أن غدروا به قتل الغلام ثأرا من أهله لما كان أمرا مستنكرا ، فهو مظلوم انتصر لنفسه ، ولكنه الخلق الإسلامي الأصيل ، والقلب المؤمن ، والضمير الحي تترفع بصاحبها عن الغدر والغيلة حتى ولو كان على سبيل المجازاة ، وأن يؤخذ الغلام بجريرة أهله . وإن هذه المعاني الشريفة لتستشفها في قولة خبيب للجارية : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك ! ! وكنا نحب من المستشرقين الذين أسرفوا في القول من أجل أسيري بدر اللذين قتلا أن نسمع لهم كلمة في قتل الأسيرين المؤمنين على فرق ما بين الموقفين ، وفي قتل من قتل غدرا وغيلة في سريتي الرجيع وبئر معونة ، ولكن الأمر كما قيل :
--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب سرية الرجيع وبئر معونة .