محمد بن محمد ابو شهبة

240

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

لهم المسلمون : واللّه ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأبوا عليهم ، فقاتلوهم حتى قتلوا عن اخرهم ، إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق ، فارتثّ « 1 » من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا ، وإلا عمرو بن أمية الضمري ، والمنذر بن محمد بن عقبة ، فقد كانا في سرح القوم « 2 » فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر . فقالا : واللّه إن لهذا الطير لشأنا ، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم ، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ، فقال المنذر لعمرو : ما ترى ؟ فقال : أرى أن نلحق برسول اللّه فنخبره الخبر ، فقال المنذر بن محمد : لكني لا أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لأخبر عنه الرجال ! ! وقاتل القوم حتى قتل رضي اللّه عنه شهيد البطولة والوفاء ، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل بعد أن جزّ ناصيته ، وأعتقه عن رقبة كانت عن أمة فيما زعم ، فخرج عمرو قاصدا المدينة ، فلقي رجلين من بني عامر ، وكان معهما عهد من الرسول وهو لا يعلم ، فأمهلهما حتى ناما فقتلهما ، وهو يرى أنه أصاب بهذا ثأرا من بني عامر ، فلما قدم عمرو وأخبر الرسول بقصتهما قال : « لقد قتلت قتيلين لأدينّهما » . ثم قال : « هذا عمل أبي براء ، قد كنت لهذا كارها متخوفا » ، فبلغ ذلك أبا براء ، فشق عليه إخفار ابن أخيه عامر إياه ، فذهب ابنه ربيعة إلى عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح انتقاما منه على فعلته النكراء ، فجرح ولكنه لم يمت ، ثم وفد على النبي بعد قاصدا الغدر به فمنعه اللّه منه ، وقد دعا عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « اللهم اكفني عامرا » ، فأصابه اللّه بغدّة « 3 » في بيت امرأة من بني سلول ، فكان يقول : غدّة كغدة البعير في بيت امرأة سلولية ، ثم ركب فرسه ، فمات على ظهره بالعراء ، تطعم منه الطيور والسباع .

--> ( 1 ) أي رفع من بين القتلى وبه بقية حياة . ( 2 ) حيث ترعى إبلهم ودوابهم . ( 3 ) نوع من الطاعون يصيب الإبل .