محمد بن محمد ابو شهبة

236

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وزيد بن الدّثنّة ، وعبد اللّه بن طارق ، فنزلوا إليهم فلما استمسكوا بهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها ، فقال عبد اللّه : هذا أول الغدر حتى إذا كانوا بالظهران في طريقهم إلى مكة انتزع عبد اللّه يده منهم ، ثم استأخر عنهم وأخذ بسيفه ليقاتلهم ، فرجموه بالحجارة حتى مات شهيدا ، وأما خبيب « 1 » وزيد فباعوهما لأناس من أهل مكة بأسيرين من هذيل ، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم الذي قتله يوم بدر ، واشترى زيدا صفوان بن أمية ليقتله بأبيه ، فحبسوهما حتى انتهت الأشهر الحرم فأخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما . وكان من أمر خبيب أنه وهو محبوس في دار لبني الحارث قد استعار من جارية لهم « موسى » « 2 » ليستحدّ بها لما دنا قتله ، فأعارته إياه ، وغفلت عن غلام لسادتها درج حتى أتى خبيبا فوضعه على فخده ، فلما رأت هذا المنظر فزعت فزعة شديدة وقالت في نفسها : أصاب - واللّه - الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ، فأدرك خبيب ما حدّثت به نفسها فقال لها : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللّه ! ! وكانت الجارية تحدّث بعد أن أسلمت فتقول : ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، ولقد رأيته يأكل من قطف من عنب وما بمكة يومئذ ثمرة ، وإنه لموثق في الحديد ، وما كان إلا رزقا رزقه اللّه ! ! ولما خرجوا به إلى الحلّ ليقتلوه قال : دعوني أصلّ ركعتين . فكان أول من سن الركعتين عند القتل ، ثم انصرف إليهم وقال : لولا أن تروا أنّ ما بي « 3 » جزع من الموت لزدت ، ولما رفعوه على الخشبة وأوثقوه ليقتلوه صبرا قال : اللهمّ إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك ، فبلّغه الغداة ما يفعل بنا ، اللهمّ أحصهم عددا واقتلهم بددا « 4 » ، ولا تبق منهم أحدا .

--> ( 1 ) بضم الخاء وفتح الباء وسكون الياء مصغّرا . ( 2 ) الموسى : هو الآلة الحادة المعروفة ، استعارها ليحلق بها شعر عانته . ( 3 ) ما : موصولة . ( 4 ) بددا : متفرقين .