محمد بن محمد ابو شهبة
198
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وهو مما يوهن هذه الرواية ويضعفها ، ويقلل الثقة بها ، وليس لنا أن نأخذ ببعض ما تفيده وندع البعض . وفي بعض الروايات أن المقداد ، وسعد بن عبادة ، ومحمد بن مسلمة ممن ثبتوا مع الرسول . والذي يظهر لي - واللّه أعلم - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يدعو أصحابه إليه ، فصار كل من يسمع النداء يفيء إليه ، حتى تجمع حوله عدد كثير ، فمن ثمّ اختلفت الروايات في ذكر العدد والأشخاص بحسب الأحوال والأزمان . ثبات الرسول وثبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كالجبل الأشم ، يدافع ويجالد جموع المشركين المحيطين به من كل ناحية ، وهو يقول : « إليّ عباد اللّه ، إليّ عباد اللّه » ، ففاء إليه الكثيرون ممن أذهلتهم شائعة أنه قتل ، فقعدوا عن القتال ، وممن تفرقوا يقاتلون بين الصفوف ، حتى تكونت حوله ثلّة من أصحابه ، فسار بهم حتى وصل إلى الصخرة التي فوق الجبل ، وكان أول من عرف رسول اللّه بعد شائعة قتله كعب بن مالك ، فإنه رأى عينيه تزهران من تحت المغفر ، فنادى : يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول اللّه ، فأشار إليه الرسول أن أنصت . وكانت تلك حكمة بالغة من الرسول ، فإن شائعة قتله كان من شأنها أن يخفف المشركون الوطأة على المسلمين ، فإذا ما علموا أنه لا يزال حيا عاودوا الكرة ، وكرروا محاولة قتله . ولكن لم يلبث الخبر أن ذاع وانتشر بين المسلمين ، فقويت العزائم بعد خور ، وتجمعت الصفوف بعد تفرق ، ثم أراد رسول اللّه أن يعلو الصخرة التي في الشعب من الجبل فلم يستطع لكثرة ما نزف من دمه الزكي ، فجلس تحته طلحة بن عبيد اللّه فنهض به حتى استوى عليها ، فقال رسول اللّه حينئذ : « أوجب طلحة » ، وبصر رسول اللّه بجماعة من المشركين فيهم خالد بن الوليد على ظهر الجبل ، فقال : « لا ينبغي لهم أن يعلونا » ، ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين ، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل ، وهذا يدل