محمد بن محمد ابو شهبة
171
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
2 - أنها تركت بنفوس أهل مكة المشركين كمدا وأحزانا والاما بسبب هزيمتهم ومن فقدوا أو أسروا ، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بالعلة ومات ، وهذا أبو سفيان فقد ابنا له وأسر له ابن اخر ، وما من بيت من بيوت مكة إلا وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب ، أو أسر أسير ، فلا عجب أن كانوا صمموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر ، حتى إن بعضهم حرم على نفسه الاغتسال « 1 » حتى يأخذ بالثأر ممن أذلوهم ، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم ، وانتظروا يترقبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم ، فكان ذلك في أحد . 3 - أن النصر المبين في بدر حرك ما كمن في نفوس اليهود والمنافقين والمشركين من أهل المدينة . فهذا الذي وفد عليهم فارا مهاجرا يزداد سلطانه ونفوذه يوما بعد يوم ، ويكاد يكون صاحب الكلمة في المدينة كلها لا في أصحابه واحدهم ، وكان اليهود قد بدأ تذمرهم من قبل بدر ، وبدأوا يحيكون الدسائس والمؤامرات لتفريق واحدة المسلمين ، ولولا عهد الموادعة الذي كان بينهم وبين المسلمين لوقع الصدام السافر بين الفريقين ، لذلك ما كاد المسلمون يعودون من بدر منصورين حتى جعلت طوائف اليهود والمنافقين تتغامز ، وتستخف بالنصر الذي أحرزوه زاعمين أنهم لقوا أغمارا « 2 » في الحرب ، ولئن وقعت بينهم وبين المسلمين الحرب فسيرى المسلمون أنهم هم الناس « 3 » ! ! وبدأوا يتحرشون بالنبي والمسلمين ، وما كان النبي ليخفى عليه شيء من ذلك ، وإنما كان يراقبهم عن حذر ويقظة ، حتى استخفوا بالمقررات الخلقية ، والحرمات التي يعتز بها المسلمون ، واستعلنوا بالعداوة ، فلم يكن بدّ من حربهم وإجلائهم عن المدينة ، كما سنفصل ذلك فيما بعد إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) هو أبو سفيان بن حرب ، كان نذر بعد بدر ألايمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أغار على المدينة في رجال من قومه ، ولكن لم ينل مأربا ، فخرج إليه النبي في جماعة من أصحابه ، ولكنه فر هاربا ، وكان ذلك في « غزوة السويق » . ( 2 ) لا خبرة لهم بالحروب وفنونها . ( 3 ) يعنون أنهم أهل الخبرة والدربة في الحروب .