محمد بن محمد ابو شهبة

155

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

- وكان أقرب من هناك به رحما - : كلّم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابه ، فهو واللّه قاتلي إن لم تفعل ، فقال مصعب : إنك كنت تقول في كتاب اللّه وفي نبيه كذا وكذا ، وكنت تعذّب أصحابه ، فقال النضر : لو أسرتك قريش ما قتلتك أبدا وأنا حي ، قال مصعب : واللّه إني لأراك صادقا ، ثم إني لست مثلك ، فقد قطع الإسلام العهود ! . وكان النضر أسير المقداد بن الأسود ، وكان يطمع أن ينال في فدائه مالا كثيرا ، فلما همّوا بقتله صاح : النضر أسيري ، فقال النبي لعلي بن أبي طالب : « اضرب عنقه ، واللهمّ أغن المقداد من فضلك » . أما عقبة بن أبي معيط فقد قتل « بعرق الظبية » ، ولما أمر النبي بقتله قال : فمن للصبية يا محمد ؟ قال : « النار » ثم قال : أتقتلني من بين قريش ؟ فقال النبي : « نعم » ثم التفت إلى أصحابه وقال : « أتدرون ما صنع هذا بي ؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي ، وغمزها ، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران « 1 » ، وجاء مرة بسلا « 2 » شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد ، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي » . وهذه القصة الثانية رواها البخاري ومسلم ، فقد كان النبي يصلي عند الكعبة ورؤساء الشرك جالسون ، فقالوا : من يذهب إلى سلا جزور بني فلان فيأتي به ، فإذا سجد محمد وضعه على ظهره ؟ فقال عقبة هذا : أنا ، فذهب وجاء به ومعه فرث « 3 » ودم ، فوضعه على ظهر النبي ورأسه ، فصاروا يتضاحكون ، ومكث النبي على هذا خشية أن يقوم فيقع في المسجد الحرام فيقذره ، حتى انطلق أحد الناس فأخبر ابنته فاطمة - وكانت صغيرة السن - فجاءت ، ونحّت القذر عن أبيها ، وقلبها يكاد يتفطر مما رأت ، وعيناها مغرورقتان بالدموع ، ثم

--> ( 1 ) ستندران : ستخرجان من مكانهما . ( 2 ) السلا : الكيس الذي يكون فيه الجنين في بطن أمه « المشيمة » . ( 3 ) الفرث : ما يكون في الكرش من قذر .