محمد بن محمد ابو شهبة

56

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

حرم معلوم الحدود . وضعت على حدوده نصب ، وعلامات يعرف بها ، يأمن فيه الإنسان ، والحيوان ، والطير ، فلا يسفك فيه دم ، ولا يهاج فيه حيوان ، ولا يصاد فيه طير ، بل ولا يقطع شجرها ، وقد حرمها اللّه وما حولها من يوم أن خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة كما روي في الصحيحين « 1 » ، وقد أظهر اللّه هذا التحريم على لسان الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وتسمى ( بكّة ) ، قال تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) « 2 » . وتسمى : ( أم القرى ) « 3 » قال تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ( 7 ) « 4 » . ولمكة مكانة ممتازة في نفوس المسلمين ، ففيها الكعبة ، والمسجد الحرام ، والصفا والمروة ، وبجوارها عرفات ، والمزدلفة ، ومنى ، وهي من مشاعر الحج ، فلذلك تهفو إليها قلوب الألوف لقضاء الحج والعمرة ، من لدن الخليل إبراهيم عليه السلام إلى وقتنا هذا . ويرجح بعض الباحثين في السيرة نشأتها إلى سنة خمسين وألفين قبل الميلاد « 5 » ، وقد اختلف في أول من أنشأها ، فجمهور المؤرخين على أن أول من بناها وسكنها العماليق « 6 » ، ثم خلفهم عليها جرهم حتى أسكن الخليل إبراهيم

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب الحج - باب لا يحل القتال بمكة ؛ وصحيح مسلم - كتاب الحج - باب تحريم مكة . ( 2 ) الآية 96 من سورة آل عمران . ( 3 ) العرب يطلقون القرية على البيوت المجتمعة صغرت أم كبرت ، وفي الحديث الصحيح « أمرت بقرية تأكل القرى » أي المدينة . ( 4 ) الآية 7 من سورة الشورى . ( 5 ) حياة محمد ورسالته ، ص 14 . ( 6 ) هم من العرب البائدة ، وهم من نسل لاوز بن سام بن نوح ، والعماليق ملكوا مصر مدة ، وكونوا بها أسرة مالكة حوالي القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد ، وملكوا العراق