محمد بن محمد ابو شهبة
52
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
والعلماء عن بلاد العرب على أن تغييرا كبيرا طرأ على جوها ، وأن هذا الجفاف الذي نعهده الان في هذه البلاد لم يكن على النحو الذي كان عليه في العصور التي سبقت الإسلام ، وأن ذلك الجفاف أثر تأثيرا سيئا في شبه جزيرة العرب ، فجعل أكثر بقاعها صحارى جرداء ، كما أثّر في حالة سكانها ، فقاوم نشوء المجتمعات الكبرى ، وأثر تأثيرا خطيرا في تاريخ الأمة العربية ، وفي حدوث الهجرات » ، إلى أن قال : « وكل ذلك يدل على مدى التغير الذي طرأ في بلاد العرب سواء أكان من الناحية المناخية أم من الناحية الجيولوجية ، فأدى إلى مقاومة الحضارة ، ومنع نشوء المجتمعات الكبرى بها ، وحوّل أراضيها إلى بقاع صحراوية ، وطبع الحياة فيها بطابع الرحلة ، والانعزالية الاجتماعية والسياسية ، ويميل كثير من السياح ، وعلماء طبقات الأرض الذين جابوا أنحاء شبه الجزيرة العربية إلى تأييد القول بظهور الجفاف في الألف الثاني قبل الميلاد » « 1 » . ولا يفوتني في هذا المقام أن أنبه إلى أن هذه الحقائق التي جاء بها القران منذ قرابة أربعة عشر قرنا على لسان النبي العربي الأمي ، ثم جاء علماء الآثار وطبقات الأرض في العصر الأخير ، فوصلوا إلى ما أيّد هذه الحقائق كل التأييد - من أكبر الأدلة على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن المعجزات الدالة على أنه نبي يوحى إليه ، ولم يكن النبي منقّبا ولا باحثا عن الآثار ، ولا كان هناك من أهل الكتاب ولا غيرهم من كان يعلم هذا ، وصدق اللّه : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) « 2 » .
--> ( 1 ) مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ، ص 119 . ( 2 ) الآية 111 من سورة يوسف .