محمد بن محمد ابو شهبة
472
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
بني جمح : أمية بن خلف ، ومن بني سهم نبيه ومنبّه ابنا الحجاج ، وغيرهم ممن لا يعد من قريش . فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما رأيتم ، فإنا واللّه ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأيا ، فتشاوروا ، فقال قائل منهم - وهو أبو البختري بن هشام - : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله : زهيرا والنابغة ، ومن مضى منهم حتى يأتيه الموت . فقال الشيخ النجدي : لا ، واللّه ما هذا لكم برأي ، واللّه لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي فانظروا غيره . فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا أخرج عنّا فو اللّه ما نبالي أين ذهب ، ولا حيث وقع ، وتعود لنا واحدتنا وإلفتنا كما كانت . فقال الشيخ النجدي : ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال ، فو اللّه لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيتابعوه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يغلبكم ، وينتزع الأمر من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد ، أديروا فيه رأيا غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام : واللّه إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ، قالوا : ما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا ، نسيبا وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه ، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، فرضوا منا بالعقل « 1 » فعقلناه لهم .
--> ( 1 ) العقل : الدية ، سميت بذلك لأنهم كانوا يعقلون الإبل التي يقدمونها في الدية بالعقل جمع عقال ، وهو الحبل الذي تشد به الإبل حتى لا تفلت .