محمد بن محمد ابو شهبة
454
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
أظهروا الإسلام بها ، وكان في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك ، منهم : عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم ، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له « مناة » كما كان الأشراف يصنعون ، فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ ومعاذ بن جبل ، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو هذا فيحملونه ، فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكّسا على رأسه ، فإذا أصبح قال : ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسه ، حتى إذا وجده غسله ، وطيّبه ، وطهّره ، ثم قال : واللّه لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه . فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك ، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ، ويطيّبه ، ويطهره . ثم يعدون عليه إذا أمسى ، فيفعلون به مثل ذلك . فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطيّبه ، ثم جاء بسيفه ، فعلّقه عليه ، ثم قال له : إني واللّه لا أعلم من يصنع بك ما أرى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، هذا السيف معك ، فلما أمسى ونام عمرو غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه . ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من ابار بني سلمة فيها عذر الناس ، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه ، فجعل يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميت ، فلما راه أبصر شأنه وبان له صوابه ، ورجع إليه عقله ، وعلم أنها أصنام لا تضر ولا تنفع ، فما إن كلّمه من أسلم من قومه حتى أسلم ، وحسن إسلامه وقال - حين استبان له الرشد - يذكر صنمه هذا وما كان من أمره ، ويشكر اللّه الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة : واللّه لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن « 1 »
--> ( 1 ) القرن : الحبل .