محمد بن محمد ابو شهبة
439
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف ، والدليل على ذلك ما عند البخاري في « كتاب الحدود » في حديث عبادة هذا « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما بايعهم قرأ الآية كلها » وفي صحيح مسلم قال : « فتلا علينا اية النساء قال : لا تشركن باللّه شيئا . . » . وفي رواية الطبراني للحديث : « بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة . . » ثم قال : فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بعد صدور البيعة ، بل بعد فتح مكة ، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا : العقبة ، والبيعة على مثل بيعة النساء يوم الفتح ، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدّح به . فكان يذكرها إذا حدّث تنويها بسابقته ، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهّم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك « 1 » . وهذا الذي ذكره الحافظ هو الذي يجب أن يصار إليه ، فهو - رحمه اللّه - من أعلم الناس بالقران وتنزلاته ، والسنة وطرق الجمع بين رواياتها المختلفة ، وبالسيرة وتواريخ الصحابة ، وله انتقادات كثيرة صائبة على ابن إسحاق وغيره من كتاب السير وتاريخ الرجال . وهذه التحقيقات والتنبيه إلى المغالط والأوهام في الرواية هي من أهم ما يعنى به الدارسون للسيرة النبوية في ضوء القران والسنة ، وهي قد تخفى على غير المتخصصين في علوم القران والسنة وعلومها ، فالحمد للّه الذي هدانا لهذا . والخلاصة : أن المبايعة في العقبة الأولى كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر ، وفي المنشط والمكره ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقول الحق ، وألايخافوا في اللّه لومة لائم ، وعلى الولاء والنصرة لرسول اللّه إذا قدم عليهم يثرب ، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم ، وأولادهم ، وأما المبايعة على مثل بيعة النساء فقد كانت بعد ذلك .
--> ( 1 ) فتح الباري ج 1 ص 12 ، 13 .