محمد بن محمد ابو شهبة

432

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج ، وقد كان رجال من قومه يقولون : إنا لنراه قتل وهو مسلم ، وكان قتل قبل يوم بعاث . إسلام إياس بن معاذ لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاهم فجلس إليهم ، فقال : « هل لكم في خير مما جئتم له » ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : « أنا رسول اللّه إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا اللّه ، ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل عليّ الكتاب » ، ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القران ، فقال إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا - : هذا واللّه خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر كفا من تراب ، وضرب به وجهه ، وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس . وقام رسول اللّه عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك ، وقد روى من حضره من قومه أنه ما زال يهلّل اللّه ويكبره ، ويحمده ويسبحه حتى مات ، فما كانوا يشكّون أنه مات مسلما ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما سمع . يوم بعاث « 1 » وهو يوم كانت فيه موقعة عظيمة بين الأوس والخزرج ، وقتل فيه خلق كثير من أشرافهم وكبرائهم ، ولم يبق فيه من شيوخهم إلا القليل ، وقد كان الغلب فيه للأوس على الخزرج . وقد شاء اللّه سبحانه أن تكون هذه الوقعة العظيمة قبيل مقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة لتتهيّأ النفوس لقبول الإسلام والإيمان بالنبي ، وليظهر فضل الإسلام

--> ( 1 ) بعاث على وزن غراب وهو بالعين المهملة : موضع بقرب المدينة ، وصحفه بعضهم فجعله بالغين المعجمة .