محمد بن محمد ابو شهبة

430

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

منازلهم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم ، وأتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى اللّه ، وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم ، وأتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى اللّه وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة « 1 » بن فراس ، واللّه لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك اللّه على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؛ فقال له رسول اللّه : « الأمر للّه يضعه حيث شاء » ، فقال الرجل : أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك اللّه كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك . فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم مجرب كان قد أدركه السن ، فحدثوه بخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما قالوه له ، فوضع يده على رأسه متأسفا على ما فاتهم من فضل اتباعه وإيوائه ، وأقسم لهم بأنه ما تقوّلها « 2 » إسماعيلي قط ، يعني أحد من ولد إسماعيل « 3 » . من دلائل النبوة وما كان لنا أن نمر بهذه القصة دون أن نعلّق عليها ففيها دلالة قوية على صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلو كان طالب ملك ، أو جاه ، أو يتجر بالمبادىء يصنع كما يصنع دهاقين السياسة في القديم والحديث من استمالة الناس بالأحاديث الكاذبة والوعود الخادعة البراقة ، ويمنّيهم الأماني الفارغة حتى إذا تم له ما أراد نسي ما قال ، ورجع في وعوده ، بل قد يتنكر لهم ، ويسفّه عليهم ، وينكل بهم ، وهذا فرق ما بين النبوة وغيرها ، وما بين الداعي إلى الحق وطالب الدنيا . استمرار الرسول في العرض ولم ييأس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما كان له أن ييأس ، واستمر يغشى القبائل

--> ( 1 ) هكذا في السيرة بباء مفتوحة ، وياء ساكنة ، وفي البداية والنهاية نقلا عن ابن إسحاق بحيرة . ( 2 ) ما تقوّلها : يعني النبوة . ( 3 ) السيرة ج 1 ص 422 - 425 ؛ البداية والنهاية ج 3 ص 138 - 140 .