محمد بن محمد ابو شهبة
413
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الفرق بين كونهما بالروح ، وكونهما مناما ومما ينبغي أن يعلم أن بعض الكاتبين في معجزتي الإسراء والمعراج يخلط بين قول من يقول : كانا مناما ، وقول من يقول : كانا بالروح ، وبينهما فرق ، فمن قال كانا بالروح أراد أن الروح بما لها من قدرة على التصرف والانتقال هي التي انتقلت وجالت في هذه المعاني المقدسة في الأرض والسماء ، وأما من قال في المنام فإنما أراد حدوث صور وانكشافات للروح فيما وراء الحسّ من عالم الغيب من غير انتقال ، ومفارقة للبدن ، وقد نبه إلى هذا الفرق وبسطه ، الإمام ابن القيم في كتابه « زاد المعاد في هدي خير العباد » « 1 » ، فليرجع إليه من يشاء الاستزادة . الإسراء والمعراج وواحدة الوجود ولا يفوتني وقد عرضت للآراء في الإسراء والمعراج ، وبينت المقبول منها من المردود أن أعرج على رأي ساقه الدكتور محمد حسين هيكل - رحمه اللّه - في كتابه « حياة محمد » ، وهو تصوير الإسراء والمعراج تصويرا روحيا مبنيا على فكرة « واحدة الوجود » . وإليك ما ذكره في كتابه بعد أن عرض عرضا موجزا لخلاف العلماء في الإسراء والمعراج : أهما بالجسد أم بالروح ؟ قال : « ففي الإسراء والمعراج في حياة « محمد » الروحية معنى سام غاية السمو ، معنى أكبر من هذا الذي يصورون ، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمين حظ غير قليل ، فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج واحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها ، لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان ، أو المكان ، أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيا محدودا بحدود قوانا المحسة ، والمدبرة ، والعاقلة . تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد ، واجتمع الكون كله في روحه ، فوعاه منذ أزله إلى أبده ، وصوره في تطور واحدته إلى الكمال عن
--> ( 1 ) ج 2 ص 128 ، 129 ط أنصار السنة المحمدية .