محمد بن محمد ابو شهبة
400
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وقد كان ذكره صلّى اللّه عليه وسلّم الدائم لخديجة ، وثناؤه عليها يثير غريزة الغيرة في نفس عائشة ، فتنال منها ، ولكن رسول اللّه كان يقسو عليها في الرد ، مما جعلها تؤلي على نفسها ألا تعود . روى الإمام أحمد والطبراني بسندهما عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : ( كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوما من الأيام ، فأخذتني الغيرة ، فقلت : هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك اللّه خيرا منها ، فغضب ثم قال : « واللّه ما أبدلني خيرا منها ، امنت بي إذ كفر الناس ، وصدّقتني إذ كذّبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني اللّه منها الولد دون غيرها » ، قالت عائشة : فقلت في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبة أبدا ) ! ! وروى نحوه البخاري . ولم يقف الوفاء عند ذكرها ، بل كان يحب حبيباتها ، ويصلهن ، فكان يذبح الشاة ، ويقطّعها ، ويقول : « أرسلوا إلى صديقات خديجة » رواه البخاري . وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيذكره صوتها بصوت خديجة ، وحديثها العذب ، وأيامها الحلوة ، فيهش لها ، وترتاح نفسه لذلك ، وتشرق أسارير وجهه « 1 » . وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحباتها فأحسن لقاءها ، وصار يسأل عن أحوالها ، وما صارت إليه ، فقالت عائشة لما خرجت : تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال ؟ ! فقال : « إنها كانت تأتينا زمان خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان » رواه الحاكم ، والبيهقي في الشعب . فللّه هذه السيدة العاقلة الطاهرة ، التي لها دين كبير في عنق كل مسلم ومسلمة .
--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب - الفضائل باب تزويج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خديجة وفضلها رضي اللّه عنها .