محمد بن محمد ابو شهبة
387
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
حسن تدبير العرب وإحكام تصرفهم وإنا لنا هنا لوقفة ترينا ما كان عليه العرب من الكياسة ، وحسن التدبير ، وإحكام الأمر ، وما كانوا عليه من الذكاء والفطنة وبعد النظر ، وإن كان بعضهم استغلوا هذه المواهب في محاربة الدعوة الإسلامية استجابة للأهواء ، ولتحكم العصبية الجاهلية فيهم . ولولا أن العرب كانوا على درجة من الذكاء والفطنة ، والاستعداد لفهم ما يلقى إليهم ، وإدراك مغزاه ، لما كانوا أهلا لأن يخاطبهم اللّه سبحانه بهذا القران البالغ الغاية في الفصاحة والبلاغة ، وروعة الأسلوب ، وإحكام السبك ، وجلال المعنى ، وسمو الغاية ، ودقة المغزى . وقد كان لهذه الصفات والمواهب أثرها البعيد حين اعتنقوا الإسلام عن عقيدة ويقين في تدبير أمور الحرب ، والمعاهدات ، والصلح ، والزكانة والكياسة الفائقتين في سياسة الشعوب ، والأجناس المتباينة التي استظلت بلواء الإسلام ، وكفى شاهدا لهذا ما قام به النبي والخلفاء الراشدون ومن سار على دربهم في الإمامة والسياسة ، وما قام به السادة الأجلاء : خالد بن الوليد ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والمثنى بن حارثة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعمرو بن العاص ، ويزيد بن أبي سفيان ، والقعقاع بن عمرو ، وأمثالهم في الحروب والفتوحات ، والصلح والمعاهدات . اللهمّ سبع كسبع يوسف ثم إن قريشا لما استعصت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبطأوا عن الإسلام ، وأوغلوا في عداوة النبي وإيذائه وإيذاء أصحابه ، دعا عليهم فقال : « اللهمّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف » فأصابتهم سنة « 1 » حتى أكلوا الجيف والميتة ، والعظام ، وحتى كان الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ، ثم جاء إليه أبو سفيان في ناس من قومه ، فقالوا : يا محمد إنك تزعم أنك قد بعثت رحمة ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع اللّه لهم ، فدعا لهم الرؤوف
--> ( 1 ) بفتح السين : جدب وقحط .