محمد بن محمد ابو شهبة

372

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وما بعدها ، ولكان النظم مفككا ، والكلام متناقضا ، وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون وهم أهل اللّسن والفصاحة ، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا ، ولا سيما أعداؤه الذين يتلمسون له العثرات والزلات ، فلو أن ما روي كان واقعا لشغب عليه المعادون له ، ولارتد الضعفاء من المؤمنين ، ولثارت ثائرة مكة ، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكأ يستندون إليه في الطعن على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والتشكيك في عصمته ، ولكن شيئا من ذلك لم يكن . ووجه ثالث : وهو أن بعض الروايات ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) « 1 » . وهاتان الآيتان تردّان الخبر الذي رووه لأن اللّه ذكر أنهم كادوا يفتنونه ، ولولا أن ثبّته لكاد أن يركن إليهم ، ومفاده أن الفتنة لم تقع وأن اللّه عصمه وثبته حتى لم يكد يركن إليهم ، فقد انتفى قرب الركون فضلا عن الركون ، فالأسلوب القراني جاء على أبلغ ما يكون في تنزيه ساحته صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك ، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون ، بل افترى بمدح الهتهم ، وهذا ينافي ما تدل عليه الآية ، وهو توهين للخبر لو صح ، فكيف ولا صحة له ؟ ولقد طالبته صلّى اللّه عليه وسلّم ثقيف وقريش إذا مر بالهتهم أن يقبل بوجهه إليها ، ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، وما كان ليفعل . وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل ، وهي مخالفة للقران ، ولما قام عليه الدليل العقلي ، فلا جرم أن التحقيق يدعونا إلى أن نصدع بأن حديث الغرانيق مكذوب اختلقه الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين ، والطعن في سيد الأنبياء وإمام المخلصين .

--> ( 1 ) الآيتان 73 ، 74 من سورة الإسراء .