محمد بن محمد ابو شهبة

361

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

صلاتهم بالمسجد الحرام حصلت مهادنة بين قريش والمسلمين ، ثم لم تلبث قريش أن جن جنونها لما رأت تزايد المسلمين كل يوم وثباتهم على دينهم وعقيدتهم ، فعادت إلى ما كانت أولا من ابتلاء للمسلمين وتعذيبهم . وكان نمي إلى المسلمين بالحبشة خبر هذه المهادنة ، كما بلغهم إسلام عمر رضي اللّه تعالى عنه ، هذا إلى أنه كانت قد قامت ثورة ضد النجاشي في ملكه « 1 » ، فخشي المسلمون أن يصاب بهزيمة ، وربما يأتي ملك لا يعرف للمسلمين حقهم كما كان النجاشي أصحمة يعرف ذلك . لذلك رأى مهاجرة الحبشة ، أو معظمهم الرجوع إلى موطنهم « مكة » « 2 » ، فلما وصلوا وجدوا الأمر على غير ما سمعوا ، وأن البلاء ما زال قائما ، بل وعادت الفتنة إلى أشد مما كانت ، فدخل من دخل منهم مكة بجوار أو مستخفيا ، ومنهم من عاد من حيث أتى . من دخل في جوار وكان ممن دخل في جوار عثمان بن مظعون رضي اللّه تعالى عنه ، فقد دخل في جوار الوليد بن المغيرة ، ولما رأى عثمان ما فيه أصحاب رسول اللّه من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان الوليد تألّم وأسف ، ولم يسعه ضميره أن يعيش امنا في جوار رجل مشرك وأهل دينه يلقون من البلاء والأذى في اللّه ما لا يصيبه ، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفّت ذمتك قد رددت إليك جوارك ، قال له : لم يا ابن أخي ؟ لعله اذاك أحد من قومي ؟ قال : لا ، ولكني أرضى بجوار اللّه ، ولا أريد أن أستجير بغيره . قال : فانطلق إلى المسجد فاردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية ،

--> ( 1 ) انظر أخبار هذه الثورة وما جرى فيها من حروب في السيرة لابن هشام جزء 1 من ص 328 - 341 . ( 2 ) قيل : كان ذلك في شوال سنة خمس من النبوة ، وقيل كان في السنة السادسة ، وذلك على حسب الخلاف في إسلام سيدنا عمر ، فإن الراجح أن إسلامه كان من الأسباب القوية لعودتهم .