محمد بن محمد ابو شهبة

345

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وحمامة « 1 » أم بلال بن رباح كانت تعذب في اللّه ، وجارية بني المؤمل « 2 » وهم من بني عدي بن كعب ، وكانت قد أسلمت ، فكان عمر بن الخطاب يعذبها ويضربها حتى إذا ملّ قال : إني أعتذر إليك بأني لم أتركك إلا ملالة ! ! فتقول : كذلك فعل اللّه بك . والنهدية وابنتها ، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار « 3 » . ولعلك - أيها القارئ الكريم - امنت معي بعد ما سمعت هذه النماذج البشرية العالية أن التاريخ لا يكاد يعرف قوما استعذبوا العذاب في سبيل الإيمان والعقيدة ، وهانت عليهم نفوسهم في اللّه مثل ما عرف ذلك لأصحاب خاتم الأنبياء محمد ، وأني لم أكن مسرفا ، ولا مبالغا حينما قلت هذا القول ، وأن هؤلاء الرجال والنساء خطّوا صحائف مشرقة في تاريخ الإيمان ، والبطولة ، والتضحية . فللّه هذه النفوس المؤمنة ، ما أزكاها ، وما أشرفها ، وما أخلدها على الدهر . واهب الحريات أما واهب الحريات ومحرر العبيد فهو شيخ الإسلام الوقور ، الذي عرف بين قومه بأنه يكسب المعدوم ، ويصل الرحم ، ويحمل الكل ، ويقري الضيف ، ويعين على نوائب « 4 » الحق ، لم ينغمس في إثم في جاهليته ، أليف مألوف ، يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء ، أنفق جزا كبيرا من ماله في شراء العبيد ، وعتقهم للّه وفي اللّه ، قبل أن تنزل التشريعات الإسلامية المحببة في العتق ، والواعدة عليه أجزل الثواب ، ذلكم المحرر للعبيد هو صدّيق هذه

--> ( 1 ) بفتح الحاء المهملة ، وتخفيف الميم . ( 2 ) قال في الإصابة : وردت في غالب الروايات غير مسماة ، وسماها البلاذري لبينة بضم اللام ومواحدة تصغير لبنة . ( 3 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 317 - 320 ؛ شرح المواهب ، ج 1 ص 320 - 325 . ( 4 ) هكذا وصف ابن الدغنّة سيد قبيلة القارة أبا بكر - رضي اللّه عنه - ومن قبل وصفت السيدة الجليلة المهيبة خديجة رسول اللّه بهذه الأوصاف ، فانظر يا قارئي كيف تطابق وصف الصادق ، ووصف الصديق .