محمد بن محمد ابو شهبة

337

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر ! ! لا واللّه ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة : نفثهم وعقدهم « 1 » وقلتم : كاهن ، لا واللّه ما هو بكاهن ، وقد رأينا الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا سجعهم ، وقلتم : شاعر ، لا واللّه ما هو بشاعر ؛ وقد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه ، وقلتم : مجنون ، لا واللّه ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون ، فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه ، يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنه - واللّه - قد نزل بكم أمر عظيم « 2 » . وكأنه كان يرى هذا ويعتقده ، ثم انجرف في تيار معاداة الرسول ، وغلبت عليه شقوته ، فصار يتعقّب الرسول ويقول فيه ما قال ! ! أمية بن خلف وهمزه للرسول وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة السهمي إذا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم همزه ، ولمزه ، فأنزل اللّه تعالى فيه : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ « 3 » ( 1 ) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ( 3 ) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ « 4 » ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ « 5 » ( 7 ) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 ) « 6 » .

--> ( 1 ) النفث النفخ مع ريق قليل ، وعقدهم : بفتح العين وسكون القاف ، أو بضم العين وفتح القاف جمع عقدة وهي التي يعقد الساحر في الخيط ، وينفث فيها بشيء يقوله ، وفي الكتاب الكريم : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ أي السواحر . ( 2 ) السيرة ج 1 ص 299 - 300 . ( 3 ) همزة ، لمزة : بضم أولهما وفتح ثانيهما : كثير الهمز واللمز ، وهو الذي يعيب الناس ، ويغتابهم ، ويؤذيهم بلسانه وجوارحه . ( 4 ) سميت النار حطمة : لأنها تحطم وتأتي على كل ما فيها . ( 5 ) تطّلع : تظهر وتعلو على القلوب باتقادها وشدة لهبها . ( 6 ) جعلها كالسرادق المقام على عمد قوية ، المطبق على من فيه ، فلا يستطيعون منه هربا ولا خروجا .