محمد بن محمد ابو شهبة

314

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

بعض ما يستمع فينتفع به « 1 » ، وكان بعضهم إذا سمع القران يقول - مكابرة - كما حكى اللّه عنهم : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 ) « 2 » . أول من جهر بالقران من الصحابة كان المشركون يؤذون من يجهر بالقران خشية تأثيره في نفوسهم ، وكان أول من جهر به من الصحابة عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - فقد اجتمع يوما أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : واللّه ما سمعت قريش هذا القران يجهر به قط ، فمن الرجل يسمعهم إياه ؟ فقال عبد اللّه بن مسعود : أنا ! ! قالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه ، قال : دعوني فإن اللّه سيمنعني . فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى ، وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ، ثم قرأ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم رافعا بها صوته الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . . . . ثم استقبلها يقرؤها ، فتأملوه ، فجعلوا يقولون : ما ذا قال ابن أمّ عبد ؟ ! ثم قالوا : إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ! فقاموا إليه ، فجعلوا يضربونه في وجهه ، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه ، وقد أثّروا في وجهه ، فقالوا له : هذا الذي خشيناه عليك ، فقال : ما كان أعداء اللّه أهون عليّ منهم الان ، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا ، قالوا : لا ، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ص 314 . ( 2 ) الآية 5 من سورة فصلت .