محمد بن محمد ابو شهبة
308
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وفي رواية للبيهقي ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بلغ قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) . . . . أمسك عتبة بفيه ، وناشده اللّه والرحم أن يكف عنه ! ! ولا عجب فقد استولى على نفس عتبة ما سمعه من هذا الكلام الفصيح البليغ ، حتى استند على يديه واستغرق في التأمل ، وهو العربي الأصيل ، وحتى خيل إليه حين سمع هذا الإنذار أن العذاب واقع به وبهم . ما أشار به عتبة على قريش وعندما سمع عتبة ما سمع قام ورجع إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به « 1 » ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعت قولا واللّه - ما سمعت مثله قط ، واللّه ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني ، واجعلوها بي ، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزّه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به . قالوا : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه ! ! قال : هذا رأيي ، فاصنعوا ما بدا لكم . وقد ظنوا إثما وزورا ، فما كان رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه طالب ملك ، ولا راغبا في مال ، ولا ناشدا جاها ولا سلطانا ، وإنما هو نبي يوحى إليه من ربه ، ومبلغ رسالة ، ومنشىء أمة ، ومنقذ البشرية من التردي في هوّة سحيقة ، وصانع تاريخ ، ومؤصل حضارة . إنها لشهادة حقة ، لأنها من عدو لم يؤمن بالقران ، وإنما امن بسلطان اللغة والبيان .
--> ( 1 ) هذا من بديع الكلام الدال على علم بالنفس البشرية ، وظهور ما يكون بالنفس على قسمات الوجه ، وأن العرب كانوا على علم ببعض قواعد علم النفس .