محمد بن محمد ابو شهبة
295
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وابتلي في هذا أشد الابتلاء ، ولكن كل ذلك لم ينل من نفسه ، ولا وهن من عزيمته ، وتصميمه على أداء رسالته ، وتحمل في ذلك ما تنوء به الجبال الراسيات ، فكان في ذلك القدوة الحسنة لأصحابه ، والسلوى إذا حزبهم الأمر ، واشتد بهم الكرب ، وعظم البلاء . قصة أبي جهل والفحل من الإبل وقد حمل كبر هذا الإثم أبو جهل فرعون هذه الأمة ، فقد قال : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم ابائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وسبّ الهتنا ، وإنّي أعاهد اللّه لأجلسنّ له غدا بحجر ، فإذا سجد في صلاته فدخت به رأسه . فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم . فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا ، ثم جلس لرسول اللّه ينتظره ، وغدا رسول اللّه يصلّي بين الركنين : الأسود واليماني ، وغدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ، فلما سجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه متلصصا ، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ، منتقعا لونه ، مرعوبا قد يبست يداه على حجره من الخوف حتى قذف الحجر من يده ، فقام إليه رجال من قريش ، فقالوا له : ما بك يا أبا الحكم ؟ ! قال : قمت إليه لأفعل ما صممت عليه البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل ، واللّه ما رأيت مثل هامته ، ولا قصرته « 1 » ولا أنيابه لفحل قط ، فهمّ أن يأكلني . قال ابن إسحاق : فذكر لي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ذلك جبريل ، ولو دنا منه لأخذه » . مرة أخرى : وفي مرة أخرى قال : إنّ للّه عليّ إن رأيت محمدا ساجدا لأطأنّ عنقه ، ولأعفرنّ وجهه بالتراب ، فأتى رسول اللّه ليطأ رقبته ، فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ، ويتقي بيديه ، فقيل له : ما لك ؟ فقال : إن بيني وبينه خندقا من نار ، وهولا ، وأجنحة ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو دنا مني لاختطفته الملائكة » .
--> ( 1 ) القصرة : العنق .