محمد بن محمد ابو شهبة
280
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
إلى السيدة خديجة - رضي اللّه عنها - فقال : « زملوني ، زملوني » فزملوه فأنزل اللّه عليه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) « 1 » . فكانت أول آيات نزلت بعد فترة الوحي امرة بالإنذار ، وداعية إلى توحيد اللّه ، وتعظيمه ، وعبادته واحده وترك عبادة غيره . يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحدّث عن فترة الوحي ، فقال في حديثه : « فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء - أي جهتها - فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض ، فجثثت « 2 » منه حتى هويت على الأرض ، فجئت أهلي فقلت : « زملوني ، زملوني ، فزملوه ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . . إلى قوله : فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي وتتابع » . نزول سورة « الضحى » ويرى ابن إسحاق أنه نزل بعد فترة الوحي سورة « والضحى » ، قال في سيرته : ثم فتر الوحي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فترة من ذلك حتى شقّ ذلك عليه ، فأحزنه ، فجاءه جبريل بسورة الضحى ، يقسم له ربه ، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به : ما ودّعه ربه ، وما قلاه ، فقال تعالى :
--> ( 1 ) المدثر : لابس الدثار وهو ما فوق الشعار ، والشعار : هو الثوب الذي يلي الجسد ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأنصار شعار ، والناس دثار » . والمزمل : المتلفف في ثيابه ومعناهما متقارب . الإنذار : التخويف والزجر أي حقّق صفة الإنذار . وربك فكبر : عظم وخصّه بذلك . وثيابك فطهر : صنها عن الأقذار في الصلاة وغيرها ، وقيل : المراد طهّر نفسك مما يستقذر من الأفعال والأخلاق . والرجز فاهجر : الرجز : الأوثان ، اهجر : اترك ، والمراد به أمته فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم منزها عن ذلك . ( 2 ) أي رعبت منه .