محمد بن محمد ابو شهبة

273

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محرّفة ، مبدّلة ، فغير معقول أن تكون مصدرا لما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عقيدة صحيحة ، وتوحيد خالص للّه . والنصارى الذين كانوا في مكة كانوا خدما أو صنّاعا ، ولم يكونوا من أهل العلم والمعرفة حتى يأخذ النبي عنهم ، ولما ادّعى بعض المشركين مثل هذه الدعوى ، وزعموا أن النبي تعلم من ( جبر ) الرومي النصراني رد اللّه عليهم بقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 1 » . وإذا ثبت بطلان المقدمات التي ذكروها ثبت بطلان ما أدّت إليه من نتيجة . ثم إنّ فكرة الوحي النفسي كما صوّروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدّخرة في العقل الباطن وأنها تظهر في صورة رؤى ، ثم تقوى فيخيّل إلى صاحبها أنها حقائق خارجية ، فهل كان الدين الذي جاء به نبينا محمد بعقائده وتشريعاته : في العبادات والمعاملات ، والحدود والجنائيات ، والاقتصاد والسياسة والأخلاق والآداب مركوزا مدّخرا في نفس النبي ؟ ! . هذا ما تنكره العقول بداهة لأن ما جاء به النبي في العقائد يعتبر مناقضا لكل ما كان سائدا في العالم حينئذ من عقائد كالوثنية ، والمجوسية ، والثنوية « 2 » ، والتأليه ، والتثليث والصلب ، وإنكار البعث واليوم الآخر ، وكذلك جاء النبي بتشريعات لم تأت بها شريعة أخرى ، واشتمل القران على أسرار في الكون والأنفس ما كانت تخطر على بال بشرقط ، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم في العصر الحديث ، فكيف تكون هذه الأسرار والعلوم من داخل نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ ! وأيضا فإن الوحي قد انقطع فترة بعد نزول صدر سورة « اقرأ » فكيف سكت النبي طوال هذه المدة ، وهو هو صاحب العقل الباطن المملوء بالمعارف ، والوجدان الملتهب ، والنفس المتوثبة للإصلاح ؟ ! !

--> ( 1 ) الآية 103 من سورة النحل . ( 2 ) الذين يقولون بإله الخير وإله الشر ، أو إله النور وإله الظلمة .