محمد بن محمد ابو شهبة
268
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
أما الأول : فاللّه سبحانه وتعالى قام على وجوب وجوده الدلائل العقلية ، والافاقية ، والأنفسية والتنزيلية . وأما الملائكة فقد أخبر بوجودهم الأنبياء ، وتواترت على ذلك الكتاب السماوية كلها بما لا يدع مجالا للشك في وجودهم ، وأجمع على وجودهم أهل الأديان جميعا . والفلاسفة قديما وحديثا - إلا الشرذمة المادية - يقرون بوجود عالم غير محسوس وراء هذا العالم المحسوس ، وأن الإنسان ليس جسما ماديا فحسب ، وإنما هو جسم وروح . وإذا ثبت وجود عالم وراء هذا العالم المحسوس لم يبق مجال إذا - وقد أخبر بوجودهم الأنبياء والرسل ، والكتاب السماوية - لإنكار وجود الملائكة . وأما الثاني : وهو استعداد النبي أو الرسول للتلقّي عن اللّه ، أو عن الملك ، فهو أمر ممكن ؛ إذ الأنبياء والرسل لهم من سمو فطرتهم ، وصفاء أرواحهم وإعداد اللّه سبحانه لهم إعدادا خاصا : جسمانيا ، وروحيا ما يؤهلهم لتلقي الوحي من اللّه ، أو الملك الموكل بذلك ، والفهم منه ، وليس لنا في هذا أن نقيس الغائب على الشاهد ، أو عالم الروح على عالم الحس والمادة ، وإلا ضللنا عن الصراط المستقيم . وإذا ثبت هذان الأمران فقد ثبت - ولا محالة - إمكان الوحي ، وأنه لا استحالة فيه ، ومن ادّعى الاستحالة فعليه البيان ، وأن يقيم على ذلك البرهان ، ثم إن بعض المخترعات الحديثة ، كاللاسلكي ، والمذياع ، والتليفزيون ، ونحوها تمكن الإنسان بوساطتها أن يبلغ الكلام أو الصورة إلى من هو أبعد من مصدره بألوف الأميال ، فإذا توصل الإنسان - على عجزه - إلى هذه الوسائل ، أفنستبعد على خالق القوى والقدر ، العليم الخبير ، أن يبلّغ رسله ما يريد بوساطة أو بغيرها ؟ ! وأن يهيىء للموحى إليه من الوسائل ما يجعله مستعدا لتلقّي الوحي ؟ ! وإذا ثبت أن الوحي ممكن ، وأن كل ممكن أخبر بوقوعه الصادق المصدوق صلّى اللّه عليه وسلّم فهو واقع كانت النتيجة : أن الوحي ثابت ، وواقع لا محالة .