محمد بن محمد ابو شهبة
262
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه - وهو التعبد - « 1 » الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع « 2 » إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ ، قال : « ما أنا بقارئ » قال : فأخذني ، فغطّني « 3 » ، حتى بلغ مني الجهد « 4 » ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : « ما أنا بقارئ » فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : « ما أنا بقارئ » فأخذني فغطّني الثالثة « 5 » ثم أرسلني ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) . فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده « 6 » فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها - فقال : زمّلوني « 7 » ، زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع « 8 » ، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - : لقد خشيت على نفسي « 9 » ، فقالت
--> ( 1 ) أصل التحنث ترك الحنث وهو الإثم ويلزمه التعبد ، وهذا التفسير مدرج من الزهري راوي الحديث عن عروة عن عائشة . ( 2 ) يرجع وزنا ومعنى . ( 3 ) عصرني حتى كاد يكتم أنفاسي . ( 4 ) بفتح الجيم والنصب أي المشقة ، وبضم الجيم والرفع أي غاية الوسع حتى بلغ مني الجهد مبلغه . ( 5 ) وإنما فعل به ذلك ليبلو صبره ، ويختبر احتماله فيرتاض لاحتمال ما كلف به من أعباء النبوة ، وأثقال الوحي ، ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أوحي إليه يثقل جسمه ، ويغط كما يغط البكر ، ويتصبب عرقه ، وكأنه يقول له : استعد لما ينتظرك في تبليغ الرسالة من شدائد والام . ( 6 ) يضطرب من الخوف . ( 7 ) غطوني ولفوني بالثياب . ( 8 ) بفتح الراء : الخوف . ( 9 ) أي المرض أو الموت من شدة الضغط والضم ، وقد كان ذلك قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من اللّه ، ولا يصح تفسير الخشية بغير هذا ، ولا تلتفت لما يوجد في بعض الكتاب .