محمد بن محمد ابو شهبة
256
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وللغار مدخل يتسع للرجل البدين ، ويقف فيه الرجل الفارع ، ويتسع لبضعة رجال يصلون ويجلسون ، وقد صعدت إليه وأنا في سن الشباب في أكثر من ساعة ، وجلست فيه ، وصليت ركعتين ، فللّه الحمد والمنة . والغار في مكان يبعث على التأمل والتفكر ، تنظر إلى منتهى الطرف فلا ترى إلا جبالا كأنها ساجدة متطامنة لعظمة اللّه ، وإلا سماء صافية الأديم ، وقد يرى من يكون فيه مكة إذا كان حاد البصر . بعض ما أكرم اللّه به نبيه قبيل النبوة « 1 » فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق في سيرته بسنده عن أهل العلم الثقات أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أراده اللّه بكرامته ، وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت « 2 » ، ويفضي إلى شعاب « 3 » مكة ، وبطون أوديتها ، فلا يمر رسول اللّه بحجر ، ولا شجر إلا قال : « السلام عليك يا رسول اللّه » « 4 » فيلتفت الرسول حوله ، وعن يمينه ، وعن شماله ، فلا يرى إلا الشجر والحجارة ، فمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك يرى ويسمع ما شاء اللّه أن يمكث ، ثم جاءه جبريل - عليه السلام - بما جاءه من كرامة اللّه ، ووحيه وهو بحراء في شهر رمضان . وفي صحيح مسلم : « إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الان » « 5 » .
--> ( 1 ) ذكر ابن الجوزي أن ذلك كان قبل النبوة بسنتين ( شرح المواهب ج 1 ص 204 ) . ( 2 ) تبعد عنه ويبعد عنها . ( 3 ) الشعاب : جمع : شعب ، وهي الطرق بين الجبال . ( 4 ) وذلك بأن يخلق اللّه فيها الكلام من غير حياة ، ولا علم ؛ أو بأن يخلق اللّه فيها الحياة والتمييز فتنطق وتتكلم : رأيان للعلماء ، ولعل الأول هو الأولى . ( 5 ) صحيح مسلم بشرح النووي ج 15 ص 36 .