محمد بن محمد ابو شهبة
243
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
والمؤرخ ( جيبون ) ( Gibbon ) في تعليقه على حادثة حرق مكتبة الإسكندرية الشهيرة من قبل المتعصبين من النصارى يبدي هذه الملاحظة الهامة : « ولكن إذا صحّ أن ركام الجدل الاريوسي والقائل بطبيعة المسيح الواحدة قد أحرق فعلا في الحمامات العمومية ، فإن في ميسور الفيلسوف أن يذهب إلى القول - في ابتسامة - بأن ذلك كان في مصلحة الجنس البشري . وكانت الشرور التي سادت العالم المسيحي كالخمر ، والميسر ، والفسوق غالبة حتى في تلك الأيام ، ويروي « 1 » دوزي ( Dozy ) عن الخليفة علي قوله في حق تغلب وهي قبيلة نصرانية : « إن كل ما اقتبسته عن تلك الكنيسة هو معاقرة الخمر » وبكلمة مختصرة فإن النصرانية وهي اخر ديانات العالم المنزلة - كانت في ذلك الحين في حكم المفقودة ، كانت قد فقدت كل قدرتها الدافعة التي تمكنها من إحداث إصلاح أخلاقي ، وإلى هذا فإن الدّرك الذي تردّى فيه المجتمع الإنساني كله في طول العالم وعرضه ، ليقيم الدليل على صحة التوكيد القراني ) « 2 » . الأحوال الاجتماعية ولم تكن الأوضاع الاجتماعية بأحسن حالا من سابقتها ، فهنالك كان أشراف وسوقة : أشراف يعتقدون أنهم من طينة أخرى غير طينة البشر ، وسوقة يضن عليهم بأدنى حقوق الإنسان ، وسادة وعبيد : سادة يتمتعون بكل خيرات هذه الأرض وطيباتها ، وعبيد يعاملون معاملة الحيوان ، وليس لهم من كدّهم وتعبهم إلا العرق والدماء ، وما تجود به نفوس السادة عليهم من فتات الموائد . وهنالك اعتزاز لا حدّ له بالأنساب والأحساب ، والتفاخر بهما ، وإضاعة الوقت في الاشتغال بذلك ، حتى بلغ من العرب أنهم كانوا حين يفرغون من موسم الحج يعقدون الندوات لذكر الاباء والأحساب . وخلاصة القول أنه كانت هناك فوارق طبقية ، وعصبيات جنسية ، ونسبية ، ولونية ، ولغوية ، وسواء في
--> ( 1 ) الصحيح أن يقول : ويذكر دوزي ، أو وينقل ؛ لأن الرواية تقتضي المعاصرة والمشافهة واللقاء . ( 2 ) حياة محمد ورسالته ، ص 20 ، 21 .