محمد بن محمد ابو شهبة

239

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

كي يردّ ودائع الناس التي كانت عنده ، وكان لا يعاهده أحد عهدا إلا وجد عنده حسن الوفاء ، ولا يعد وعدا إلا صدق فيه ، وقد روي أنه عاهد رجلا أن يلقاه في مكان كذا ، فمكث ثلاثة أيام يذهب إلى هذا المكان ، والرجل لا يذهب فقال له : « لقد شققت علي » . وكان الصدق من صفاته البارزة ، شهد له بذلك العدو والصديق ، ولما بعثه اللّه إلى الناس جميعا وأمره أن ينذر عشيرته الأقربين صار ينادي بطون قريش ، فلما حضروا قال لهم : « أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدّقيّ » ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا قط . ولما قابل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب - وكان لم يزل مشركا - قال له : هل جرّبتم عليه كذبا ؟ قال : لا ، قال هرقل : ما كان ليدع الكذب على الناس ، ويكذب على اللّه ! ! وكان النبي إلى ذلك كله وصولا للرحم ، عطوفا على الفقراء وذوي الحاجة ، ويقري الضيف ، ويعين الضعيف ، ويمسح بيديه بؤس البائسين ، ويفرّج كرب المكروبين ، وقد وصفته بهذا السيدة العاقلة ، الحازمة خديجة وهي أعرف الناس به - في بدء النبوة ، فقالت : « ما كان اللّه ليخزيك أبدا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق » « 1 » ! ! . ومن هذا العرض الموجز نرى أن حياة النبي قبل البعثة كانت أمثل حياة وأكرمها ، وأحفلها بمعاني الإنسانية والشرف ، والكرامة ، وعظمة النفس ، ثم نبّأه اللّه وبعثه ، فنمت هذه الفضائل وترعرعت ، وما زالت تسمو فروعها ، وترسخ أصولها ، وتتسع أفياؤها حتى أضحت فريدة في تاريخ الحيوات في هذه الدنيا . إن هذه الحياة الفاضلة المثلى لمن أكبر الدلائل على ثبوت نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما سمعنا في تاريخ الدنيا قديمها وحديثها أن حياة كلها فضل وكمال ، وهدى ونور ،

--> ( 1 ) صحيح البخاري - باب كيف كان بدء الوحي .