محمد بن محمد ابو شهبة

221

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

قال الواقدي : الثّبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار ، وأن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزّهري ، خصوصا وقد رواه عن صحابي من السابقين « 1 » ، وكذلك ذكر الطبري - وهو من ثقات المؤرخين - أن عمها عمرا هو الذي أنكحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن خويلدا مات قبل الفجار « 2 » ، ويرى ابن إسحاق أن أباها هو الذي زوجها وهو رأي ضعيف . بطلان بعض المرويات ومن ثمّ يتبين لنا تهافت ما روي أن أباها امتنع من تزويجها ، وأنهم سقوه الخمر حتى ثمل فرضي ، وأنهم ألبسوه المزعفر ، فلما صحا من سكره أخبروه فأنكر عليهم ذلك ، فما زالت به خديجة حتى رضي ، وهي رواية باطلة مدسوسة لمخالفتها للنقل الصحيح على ما ذكرنا . ثم هي مخالفة للواقع ، وللظروف ، والبيئة ، فبنو هاشم في الذروة من قريش نسبا وشرفا ، وقد صدع بها أبو طالب في مجمع حافل بالسادات فما نازعه فيها منازع ، ثم إن مثل النبي في شبابه الغض ، ورجولته النادرة ، وخلقه الكامل ممّن تطّاول إلى مصاهرته أعناق الأشراف ، وهذا أبو سفيان بن حرب وهو من هو في عداوته للنبي وبني هاشم ، لما بلغه أن النبي تزوج السيدة أم حبيبة ابنته ، ولم يكن أسلم بعد قال : « هذا الفحل لا يقدع أنفه » . دسّ المستشرقين ومن العجيب حقا أن رجلا مثل ( درمنغم ) لم يذكر في كتابه غير هذه الرواية المتهافتة ، وقدّم لذلك بكلام يشعر أن النبي في منزلة دون منزلة خديجة ، وأن عشيرته دون عشيرة بني مخزوم ( كذا ) ، وجعل النبي أجيرا لخديجة فلا يليق أن يكون زوجا ، إلى اخر ما تخيل من تخيلات ، وافترض من ترّهات « 3 » ، مع أنه

--> ( 1 ) شرح المواهب ، ج 1 . ( 2 ) تاريخ الطبري ، ج 1 . ( 3 ) حياة محمد ، لدر منغم ، ص 68 .