محمد بن محمد ابو شهبة
216
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وبره ، وعطفه ، وحسن معاملته ، وأمانته ، وسمع من نسطورا ما سمع ، فلا عجب إذا كان حدّث سيدته بعد عودته بما رأى وما سمع ، وما وجده منه من حسن الخلق . وباع النبي التجارة وابتاع ، وعاد بربح وفير ، وعاد معه غلام خديجة ، ووصل الركب في الظهيرة إلى مكة ، وخديجة في علّيّة لها « 1 » ، فرأت النبي تكسوه المهابة والجلال ، فلما دخل عليها أخبرها بخبر التجارة وما ربحت ، فسرت لذلك سرورا عظيما ، وخرج النبي ، وترك ميسرة يقص على سيدته من شأن سيده محمد ما شاءت له نفسه أن يقص . افتراءات المستشرقين ودسهم قد سمعت انفا ما قاله الراهب ( نسطورا ) في شأن النبي ، وما قاله من قبل ( بحيرى ) لعمه أبي طالب ، ولم تذكر الروايات الموثوق بها شيئا غير هذا ، ولكن قد جرى بعض كتّاب السيرة من المستشرقين أو إن شئت فقل المبشّرين ومتابعيهم من الكتاب المسلمين أن يحمّلوا الروايات ما لا تتحمل ، وأن يدسوا السم في الدسم ، وأن يطلقوا لخيالهم الجامح العنان ، كأنما يؤلفون رواية مسرحية ، لا أعظم سيرة لنبي ، توفر لها من دواعي الصدق ، والثبوت ، وتحرّي الحقيقة ما لم تحظ به سيرة في الدنيا ! ! . فزعموا أن النبي قابل في هاتين الرحلتين : رحلته مع عمه ، ورحلته لخديجة بعض الرهبان وأخذ عنهم ، وأنهم جادلوه ، وجادلهم في أمر عيسى وأمر غيره ، وغرضهم بهذا أن يلقوا في أوهام بعض القارئين أن النبي استفاد من هؤلاء ، وانطبعت في ذهنه معارفهم ، ثم فاض ذلك على لسانه فيما جاء به من قران ، كي يصلوا إلى أن القران من عند النبي ، وأن ما زعمه وحيا هو أمر نابع من نفسه ، على ما يرون من فكرة الوحي النفسي « 2 » . وإذا جاز هذا التجني والدس من المبشرين والمستشرقين استجابة
--> ( 1 ) غرفة عالية . وهي بكسر العين - والضم لغة - وكسر اللام المشددة وفتح الياء المشددة . ( 2 ) سنعرض لإبطالها عند الحديث عن الوحي .