محمد بن محمد ابو شهبة

192

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

والكسل . وكانوا يقولون : إن المربّى في المدن يكون كليل الذهن ، فاتر العزيمة ، ضعيف البنية . هذا إلى ما في نشأتهم بين الأعراب من استقامة اللسان بالفصيح من الكلام ، والسلامة من اللحن ، والبراءة من الهجنة . ولما قال الصديق أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه - للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما رأيت من هو أفصح منك يا رسول اللّه ؟ » فقال : « وما يمنعني ، وأنا من قريش ، وأرضعت في بني سعد » . فمن ثمّ كانوا يرسلون أبناءهم إلى البادية حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة ، ومن القبائل من كان لها في المراضع شهرة ، وفي الفصاحة مكان ، ومنها قبيلة بني سعد التي منها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي ، وقد مكث عندها سنتين ، ثم عادت به كي تراه أمه ، فما إن رأته ، وملأت عينيها منه حتى احتضنته وقبلته ، وسرها ما رأته عليه من علامات الصحة ، والنضارة ، والنمو ، وتوسلت حليمة إلى أمه أن ترجعه معها حتى يكبر ؛ فإنها تخشى عليه وباء مكة ، وما زالت بها حتى قبلت ، ثم عادت به بعد سنتين « 1 » ، وهي بادية القلق ، شديدة التخوف عليه ، حتى أحسّت ذلك منها السيدة امنة ، فسألتها عن سبب ذلك ، فأنكرت أن يكون هناك شيء ، ثم لم تلبث أن أخبرتها بقصة الملكين اللذين جاا إليه وهو في غنم لهم مع أخيه السعدي ، فشقّا صدره ، فطمأنتها أمّه أنه لا سبيل للشيطان عليه ، وأنه سيكون له شأن ، وقالت لها : دعيه عنك ، وانطلقي راشدة . وسأدع السيدة حليمة تقص القصة لما فيها من العبرة والروعة ، ورعاية اللّه لنبيه من الصغر ، قالت : قدمت مكة في نسوة من بني سعد نلتمس الرضعاء « 2 » في سنة شهباء « 3 » ،

--> ( 1 ) هذا هو الذي جزم به الحافظ زين الدين العراقي في نظم السيرة ، والحافظ ابن حجر في سيرته ، وهي صغيرة مفيدة التزم فيها الأصح ، فقد قالا : إن شق الصدر كان في الرابعة ، وكفى بهما إمامين حافظين ، لا ما ذكره ابن إسحاق من أنه كان في أوائل الثالثة بعد شهرين أو ثلاثة من رجوع حليمة به . ( 2 ) جمع رضيع . ( 3 ) ذات جدب وقحط .