محمد بن محمد ابو شهبة

18

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

والعبقري : هو الأصيل الرأي ، البعيد النظر ، الذي لا يفوقه أحد في حل المشكلات ، من غير تعمّل ، ولا تكلّف ، وقد وصف به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه - ففي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب ، فجاء أبو بكر ، فنزع ذنوبا أو ذنوبين نزعا ضعيفا « 1 » ، واللّه يغفر له ، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت - أي الدلو - غربا « 2 » ، فلم أر عبقريا يفري فريه ، حتى روى الناس ، وضربوا بعطن » « 3 » . ولم أعلم أحدا غير عمر وصفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالعبقري ، وهو ما عبّر عنه النبي صلوات اللّه وسلامه عليه في حديث اخر « بالمحدّث » . ففي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون ، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر بن الخطاب » والمحدّثون : هم الملهمون في إصابة الحق والصواب ، وفي حل المعضلات وابتداع ما لم يسبقوا إليه . قال الإمام الخطابي : « يلقى الشيء في روعه ، فكأنه قد حدّث به ، يظن فيصيب ، ويخطر الشيء بباله فيكون » . وقال أبو أحمد العسكري وغيره : « هو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى ، فيكون كالذي حدثه غيره » « 4 » . ووقع في بعض الروايات تفسير المحدّث بأنه « الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه » ، ووقع في

--> ( 1 ) القليب : البئر ، الذنوب : الدلو الملأى بالماء ، وهو كناية عن قصر مدة خلافته - رضي اللّه عنه - وقلة الفتوحات لاشتغاله بحروب الردة وتثبيت دعائم الإسلام وبحسبه فضلا هذا . ( 2 ) الغرب : الدلو الكبير . ( 3 ) يفري فريه : يعمل عمله ، ويقدر الأمور مثله ، والعطن : مبارك الإبل حول الابار والمياه ، والكلام كناية عن طول خلافته ، وكثرة الفتوحات في عهده ، وانتفاع الناس بثمرات الفتوح ، وتدوينه الدواوين ، وتمصيره الأمصار . ( 4 ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ج 7 ص 39 ، 40 .