محمد بن محمد ابو شهبة

132

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ولما فرغ الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - من بناء البيت جاء جبريل ، وأرى الخليل المناسك كلّها ، وأمره أن يؤذّن في الناس بالحج فقال : يا رب وما يبلغ صوتي ؟ فقال اللّه - عزّ شأنه - : « أذّن يا إبراهيم وعليّ البلاغ » فوقف الخليل على جبل أبي قبيس وصار ينادي : يا أيها الناس إن اللّه كتب عليكم الحج فحجّوا ، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، فأجابه من امن ، ومن كان سبق في علم اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة : « لبّيك اللهمّ لبّيك » . وحجّ الخليل إبراهيم ، وحجّ إسحاق ، وأمه سارة من بيت المقدس ، ثم رجع الخليل إلى الشام ، وكانت وفاته هناك عليه الصلاة والسلام « 1 » . ومن يومها صار الحج فريضة محكمة باقية إلى يوم القيامة ، فللّه الحمد والمنة على ما أنعم وشرع . المسجد الحرام ولما بنى الخليل وابنه إسماعيل البيت عرف بالكعبة ، وصار الناس يحجون إليه ، ويعتمرون ويطوفون به ، ويصلّون إليه ، وعرف ما حول الكعبة بالمسجد الحرام ، وهو أول المساجد المشرّفة في الأرض التي تشدّ إليها الرحال ، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى » . ولم يكن للمسجد الحرام سور ، وكان تحيط به الدور من جميع الجهات ، حتى كان عهد الفاروق عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ، وضاق المسجد بحجّاج البيت وزوّاره ، فلم يكن بدّ من توسعته ، فاشترى الدور من أهلها ، وهدمها ووسّع المسجد الحرام ، وجعل له سورا على قامة الرجل ، ووضع عليه السرج والمصابيح . فلما كان عهد عثمان - رضي اللّه تعالى عنه - اشترى دورا أخرى وزادها في المسجد . فلما ولي عبد اللّه بن الزبير أحكم بنيانه ، وحسّن جدرانه ، وأكثر أبوابه ، ولم يوسعه . فلما ولي الأمر عبد الملك بن

--> ( 1 ) فتح الباري ، ج 6 ص 314 .