محمد بن محمد ابو شهبة

128

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

لتعفي أثرها على سارة « 1 » ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت - أي مكانه - ، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه « 2 » تمر ، وسقاء « 3 » فيه ماء ، ثم قفّى إبراهيم منطلقا ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ، ولا شيء ؟ ! وقالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : اللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لا يضيّعنا ! ثم رجعت . فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، ورفع يديه : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ . . . ، حتى بلغ ( يشكرون ) . وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السّقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوّى - أو قال : يتلبط « 4 » - ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه . ثم استقبلت الوادي تنظر : هل ترى أحدا ؟ فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود « 5 » حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة ، فقامت عليها ، ونظرت : هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فذلك سعي الناس بينهما » « 6 » .

--> ( 1 ) ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر للخليل إبراهيم ، فحملت منه إسماعيل ، فلما ولدته اشتدت بها الغيرة ، فصارت تؤذيها وتلاحقها ، وهي تهرب منها ، فاتخذت المنطق ليعفّي أثرها ، فلا تعرف سارة أين ذهبت هاجر . ( 2 ) وعاء من جلد . ( 3 ) ما يحمل فيه الماء كالقربة . ( 4 ) يتمرغ ، ويضرب برجليه الأرض من العطش . ( 5 ) الذي أصابته المشقة والتعب . ( 6 ) أي هذا أصل مشروعية السعي بينهما .