محمد بن محمد ابو شهبة

126

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

منبّه : « أول من بناه شيث بن ادم » ووهب من أهل الكتاب الذين أسلموا . وروى البيهقي في « الدلائل » من طرق أخرى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص مرفوعا « بعث اللّه جبريل إلى ادم ، فأمره ببناء البيت ، فبناه ادم ، ثم أمره بالطواف به ، وقال له : أنت أول الناس ، وهذا أول بيت وضع للناس » « 1 » . وقد قال الحافظ ، المفسر ، المؤرخ ابن كثير في هذا الحديث الأخير : « إنه من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف ، والأشبه - واللّه أعلم - أن يكون موقوفا على عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، ويكون من الزاملتين « 2 » اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب » وهذا ما أرجّحه وأميل إليه ، ومهما قيل في ثبوت هذه الروايات ، وما ماثلها فهي لا تقوى على معارضة ما دل عليه القران المتواتر ، والسنة الصحيحة ويعجبني في هذا ما قاله الحافظ ابن كثير في بدايته ، قال : « ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ، ومن تمسّك بهذا بقوله : « مكان البيت » « 3 » فليس بناهض ، ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدّر في علم اللّه المقرر في قدرته ، المعظّم عند الأنبياء موضعه من لدن ادم إلى زمان إبراهيم » « 4 » . ولا ينافي ما رجحناه وذهبنا إليه ما روي « أنه ما من نبي إلا وقد حج البيت » وما رواه أبو يعلى في مسنده بسنده عن ابن عباس قال : حج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما أتى وادي « عسفان » قال : « يا أبا بكر أي واد هذا ؟ » قال : هذا وادي عسفان ، قال : « لقد مرّ بهذا نوح وهود وإبراهيم على بكرات « 5 » لهم

--> ( 1 ) فتح الباري ، ج 6 ص 310 ؛ تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 1 ص 316 ، ط المنار . ( 2 ) الزاملة : البعير الذي يحمل عليه المتاع ، أي حمل بعيرين من الكتاب ، وهذا من الأسباب التي جعلت بعض الرواة لا يروي عنه تحوّطا ، فمن ثمّ جاءت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة ، مع أنه كان أكثر من أبي هريرة حديثا لأنه كان قارئا كاتبا . ( 3 ) كما في الآية 26 من سورة الحج . ( 4 ) البداية والنهاية ، ج 1 ص 163 ؛ وج 2 ص 299 . ( 5 ) بكرات : جمع بكرة : الناقة الفتية القوية .