محمد بن محمد ابو شهبة

112

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وكان إسماعيل لا يزال غلاما ، فلما شب وكبر اختلط بهم ، وتعلم منهم العربية حتى صارت له لسانا ، فكان أبا للعرب المستعربة . روى أبو عبيدة قال : حدثنا مسمع بن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن عن ابائه قال : أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ، وهو ابن أربع عشرة سنة « 1 » ، وتعلم منهم الرمي والقنص ، ولما كبر إسماعيل أعجبهم ، فوجدوا فيه من الخصال والفضائل ما حببهم فيه ، فزوّجوه منهم . قصة الذبيح وكان الخليل - عليه السلام - يتعهد إسماعيل وأمه هاجر بين الحين والحين ، ويزورهما كلما حن الشوق إليهما ، وكان الغلام إسماعيل قد شب عن الطوق ، وصار يسعى في مصالحه ، وأهلا لمعاونة أبيه ، وفي زورة من الزورات رأى الخليل في منامه من يأمره بذبح ولده ووحيده ، ورؤيا الأنبياء وحي - كما في الحديث الشريف - فلم يشك الخليل في صدق الرؤيا ، ولكن الأمر يتعلق بابنه ، وفلذة كبده ، فكان لا بد أن يتروّى في الأمر ، فرأى مثل ذلك في الليلة الثانية ، وقيل : إن ذلك كانت ليلة اليوم الثامن من ذي الحجة فسمي يوم التروية « 2 » ثم تريث أيضا فرأى مثل ذلك في الليلة الثالثة وقيل إن ذلك كان ليلة التاسع فسمي : يوم عرفة « 3 » ، فلم يكن بدّ - بعد ثلاث - من امتثال أمر اللّه والصبر على البلاء ، ولكنه رأى أن يعرض الأمر على ولده ؛ ليكون أطيب لقلبه ، وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ، أو يبغته فجأة ، فعرضه عليه ، فكان - كما وصفه اللّه - حليما ، وجديرا بأن يكون رسولا نبيا ، فقال : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) « 4 » .

--> ( 1 ) البيان والتبيين ج 3 ، ص 21 والمراد من ولد إبراهيم - عليه السلام - . ( 2 ) وقيل لأن الحجاج كانوا يحملون معهم فيها الماء قبل الخروج لأداء المناسك . ( 3 ) وقيل غير ذلك وإنه سمي يوم عرفة لأن ادم وحواء تعارفا فيه في الأرض بعد أن نزلا من الجنة . ( 4 ) الآية 102 من سورة الصافات .