محمد بن محمد ابو شهبة

104

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

الاجتماعي الواعي ، بحيث تتجلّى في هذا الإنتاج خصائصه الفكرية ، والوجدانية ، والسلوكية . وهذا المفهوم يتسع لكل ما يتصل بالروح ، والفكر ، والفلسفة ، والأخلاق ، والقانون ، والفنون ، فضلا عن الجانب المادي من العمران ، وما ينتجه العلم التجريبي والاختراع مما يتصل بجميع مرافق الحياة كالصناعة والزراعة ، والطب ، والهندسة ، وما إليها مما يكون عونا على تيسير العيش ، ورغد الحياة . كما يستخلص من هذا أيضا أن المجتمعات تختلف في نموها الحضاري ، بمقدار ما تسهم في تحقيق عناصر الحضارة في حياتها ، وبمقدار ما يسعفها وعيها ، وظروفها البيئية في هذا الصدد « 1 » . بناء على هذا نقول : هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟ . نعم . قد كانت لهم حضارة في اليمن ، وفي ديار عاد ، وفي ديار ثمود ، وفي الحيرة ، وفي بلاد غسان ، وفي بلاد الشام ، بل وفي بلاد الحجاز ذاتها : في مكة ، والمدينة ، والطائف . وقد علمت ما كان في اليمن من قيام ممالك ذات سيادة وسلطان ، ولها نظم وقوانين ، ومجالس شورى وقضاء ، إلى غير ذلك مما ذكرناه سابقا ، وما وصلت إليه الممالك من حضارة زاهية وعلم وفن ، فقد أقاموا السدود ، والخزانات ، للاستفادة بالماء ، وعدم تبدده في الصحراء ، وبذلك تمّ لهم تنظيم الصرف ، والري ، وليس من شك في أن هذا يتطلب فنا ، وعلما بالأصول الهندسية ، وتقدما في الفن المعماري ، وناهيك بسد ( مأرب ) الذي يعدّ من أفخم وأضخم ما صنعه الإنسان في العصور القديمة ، وفيما قصه القران الكريم عن مملكة ( سبأ ) وما كشف عنه علماء الآثار في الزمن الأخير ما يشهد لذلك ، وقد بلغت اليمن من بسط العيش ، ورخاء الحياة ، وفخامة المدنية ما حمل معاصريهم من اليونانيين أن يسموا بلادهم ( بلاد العرب السعيدة ) . وكذلك كان في عاد حضارة زراعية ، وصناعية ، وتجارية ، ومعمارية ،

--> ( 1 ) من محاضرة في أسبوع القران بجامعة أم درمان الإسلامية للدكتور فتحي الدريني .