عبد الرحمن السهيلي
63
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
بما أتيتم من معصية نبيكم ، ولكني عدت بفضلى عليكم ، وكذلك مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة ، فإنه غير مستأصل لكلّ ما فيهم من الحقّ له عليهم ، بما أصابوا من معصيته ، رحمة لهم ، وعائدة عليهم ، لما فيهم من الإيمان . [ تآنيبه إياهم لفرارهم عن نبيهم ] تآنيبه إياهم لفرارهم عن نبيهم ثم أنّبهم بالفرار عن نبيّهم صلى اللّه عليه وسلم ، وهم يدعون لا يعطفون عليه لدعائه إياهم ، فقال : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ، فَأَثابَكُمْ ، غَمًّا بِغَمٍّ ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ : أي كربا بعد كرب ، بقتل من قتل من إخوانكم ، وعلوّ عدوّكم عليكم ، وبما وقع في أنفسكم من قول من قال : قتل نبيكم ، فكان ذلك مما تتابع عليكم غمّا بغمّ ؛ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ؛ من ظهوركم على عدوّكم ، بعد أن رأيتموه بأعينكم ، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم ، حتى فرّجت ذلك الكرب عنكم وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . وكان الذي فرّج اللّه به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغمّ الذي أصابهم ، أن اللّه عزّ وجلّ ردّ عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيّهم صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رأوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيّا بين أظهرهم ، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظّهور عليهم ، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم ، حين صرف اللّه القتل عن نبيّهم صلى اللّه عليه وسلم ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ