عبد الرحمن السهيلي
11
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
مكتوبا عن النبي ، لا يوجد مثيله في أمة من الأمم كتبت تاريخ زعيم ، أو قائد أو بطل ، أو نبي هو منها في مكانة الشمس من الكون ، وفي الكثير مما خلف لنا الأسلاف من تراث مكتوب عن النبي لا نلمح فيه شعاعة حقّ إلا كما نلمح ومضة البرق في الليلة الداجية زكمت آفاقها الظلمات ، فلقد خيل إلى أصحاب هذا التراث أن الكذب آية حب ، وأن محمدا لا يكون عظيما إلا بما افترت الصليبية ليسوع ، فصوروا رسول اللّه في صورة بشر تستكنّ في أعماقه ربوبية قهارة خلاقة ، تهيمن على مصائر الوجود ، وأقدار كائناته ، وتجمع بين أزل الوجود ، وأبده في معرفة لا يخفى عليها شئ ! ! وافتروا قصصا ، وأحاديث هي نفثات يهودية ، ومفتريات وثنية ، وضلالات صليبية ، ورددت أفواه وألسن في عديد من قرون التاريخ هذه القصص والأحاديث ، وتلقفت الأجيال - خلفها عن سلفها - كلّ ذلك ، وقد صنع التاريخ الكذوب لمن افتروا هذه الأكاذيب ، أو لمن رددوها عن بلاهة عروشا تسجد تحتها أفكار أجيال وأجيال ، وتهطع في قنوت يأخذ منها كل العمر ، فتسخّر لتمجيد تلك الأكاذيب كلّ فكر ولسان وقلم ، فصار قرينا للمستحيل أن يفكر امرؤ في نقد شئ من تراث أولئك الأسلاف بشروح هؤلاء الأخلاف ، وصارت هذه الترهات التي يمجها حتى الباطل لعوارها - تختال وكأنها درر حقائق تتلألأ بنور الوحي ، بل صارت ، وهي أحب ما يعشق الناس مما كتب عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وصارت مكانة أربابها كالزجر القاصف ، والردع العاصف لمن يهم بالهمس بكلمة حق ينقدبها تلك الضلالات . والمسلم الذي يحاول أن يجلو للناس سيرة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على نور من القرآن وهدى من الأحاديث الصحيحة . تجده وقد تفجرت في وجهه حمم ، ودوّت في سمعه رعود ، وألوف الألسنة تبهتة بالسوء ، وهي التي لم تطب لحظة بذكر الحق : إن الباطل الذي سخّر هذه الألسنة ، وزكم بطون أربابها بسحته لا يحب أن يعرف الناس أنه باطل ،