العلامة المجلسي

315

بحار الأنوار

يقع منك الصبر وإن كان ( 1 ) إنما نفى القدرة على ما ظنه الجهال لكان العالم وهو في ذلك سواء ، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة ، والذي يدل على أنه إنما نفى عنه الصبر لا الاستطاعة قول موسى عليه السلام في جوابه : " ستجدني إن شاء الله صابرا " ولم يقل : ستجدني إن شاء الله مستطيعا ، ومن حق الجواب أن يطابق الابتداء ، فدل جوابه على أن الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه . فأما قوله : " ولا أعصي لك أمرا " فهو أيضا مشروط بالمشية وليس بمطلق على ما ذكر في السؤال ، فكأنه قال : ستجدني صابرا ولا أعصي لك أمرا إن شاء الله ، وإنما قدم الشرط على الامرين جميعا ، وهذا ظاهر في الكلام . فأما قوله : " لقد جئت شيئا إمرا " فقد قيل : إنه أراد شيئا عجبا ، ( 2 ) وقيل : إنه أراد شيئا منكرا ، وقيل : إن الامر أيضا هو الداهية فكأنه قال : جئت داهية وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الامر مشتق من الكثرة من أمر القوم : إذا كثروا ، وجعل عبارة عما كثر عجبه ، وإذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها ، وإن حملت على المنكر كان الجواب عنها وعن قوله : " لقد جئت شيئا نكرا " واحدا ، وفي ذلك وجوه : منها أن ظاهر ما أتيته المنكر ومن يشاهده ينكره قبل أن يعرف علته . ومنها : أن يكون حذف الشرط فكأنه أراد : إن كنت قتلته ظالما لقد جئت شيئا نكرا . ومنها أنه أراد أنك أتيت أمرا بديعا غريبا ، فإنهم يقولون فيما يستغربونه ويجهلون علته : إنه نكر ومنكر ، وليس يمكن أن يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام والتقرير دون القطع ، ألا ترى إلى قوله : " أخرقتها لتغرق أهلها " وإلى قوله : " أقتلت نفسا زكية بغير نفس " ومعلوم أنه إن كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق فقد أتى منكرا ، وكذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم . فأما قوله : " لا تؤاخذني بما نسيت " فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة .

--> ( 1 ) في المصدر : ولو كان . ( 2 ) في نسخة : أراد شيئا عجيبا .