العلامة المجلسي
24
بحار الأنوار
" وأن ألق عصاك " إنما أعاد سبحانه هذه القصة وكررها في السور تقريرا للحجة على أهل الكتاب واستمالة بهم إلى الحق ، ومن أحب شيئا أحب ذكره ، والقوم كانوا يدعون محبة موسى عليه السلام ، وكل من ادعى اتباع سيده مال إلى ذكره بالفضل ، ( 1 ) على أن كل موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادة فائدة " فلما رآها تهتز " أي تتحرك " كأنها جان " من سرعة حركتها أو شدة اهتزازها " ولى مدبرا " موسى " ولم يعقب " أي لم يرجع ، فنودي : " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين " من ضررها " اسلك يدك " أي أدخلها " من غير سوء " أي من غير برص " واضمم إليك جناحك من الرهب " أي ضم يدك إلى صدرك من الخوف فلا خوف عليك ، عن ابن عباس ومجاهد ، والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحية ، وقيل : أمره سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحثه على الجد فيه لئلا يمنعه الخوف الذي يغشاه في بعض الأحوال فيما أمره بالمضي فيه ، وليس يريد بقوله : " اضمم يدك " الضم المزيل للفرجة بين الشيئين ، وقيل : إنه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يده كالمتقي وهما جناحاه فقيل له : " اضمم إليك جناحك " أي ما بسطته من يدك لأنك آمن من ضررها ، ويجوز أن يكون معناه أسكن ولا تخف فإن من هاله أمر أزعجه حتى كأنه يطيره ، وآلة الطيران الجناح ، فكأنه عليه السلام قد بلغ نهاية الخوف ( 2 ) فقيل له : ضم منشور جناحك من الخوف واسكن ، وقيل : معناه : إذا هالك أمر يدك لما تبصر من شعاعها فاضممها إليك لتسكن " فذانك برهانان " أي اليد والعصا حجتان من ربك على نبوتك مرسلا بهما إلى فرعون وملائه . قوله : " هو أفصح مني لسانا " إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه " فأرسله معي ردءا " أي معينا لي على تبليغ رسالتك " يصدقني " أي مصدقا لي على ما أؤديه من الرسالة
--> ( 1 ) في المصدر : مال إلى من ذكره بالفضل . ( 2 ) قال السيد الرضى قدس سره : الجناح هنا عبارة عن اليد ، وقيل : معنى ذلك أي سكن روعك وخفض جأشك من الرهب الذي أصابك ، والرعب الذي داخلك عند انصلاب العصا في هيئة الجان ، ولما كان من شأن الخائف القلق والانزعاج والتململ والاضطراب صار ضم الجناح عبارة عن السكون بعد القلق والأمان بعد الغرق .