العلامة المجلسي
221
بحار الأنوار
الحكماء والمتماسكين ؟ قلنا : ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى بأخيه ما يقتضي صدور معصية ولا قبيح من واحد منهما ، وذلك أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم ، مفكرا فيما كان منهم ، فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر ، أما ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفته ويقبض على لحيته ، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه ، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر والضب ، وهذه الأمور تختلف أحكامها بالعادات فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها وبالعكس . وأما قوله : " لا تأخذ بلحيتي " ( 1 ) فلا يمتنع أن يكون هارون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل بسوء ظنهم أنه منكر عليه ، معاتب له ، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع : " إني خشيت " الآية ، وفي موضع آخر : " يا ابن أم إن القوم استضعفوني " ويمكأن يكون قوله : " لا تأخذ بلحيتي " ليس على سبيل الأنفة ، ( 2 ) بل معنى كلامه : لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك . وقال قوم : إن موسى عليه السلام لما رأى من أخيه مثل ما كان عليه من الجزع والقلق أخذ برأسه ( 3 ) متوجعا له مسكتا كما يفعل أحدنا بمن يناله المصيبة ، ( 4 ) وعلى هذا يكون قوله : " لا تشمت بي الأعداء " كلاما مستأنفا ، وأما قوله : " لا تأخذ بلحيتي " فيحتمل أن يريد : لا تفعل ذلك وغرضك التسكين مني ، ويظن القوم أنك منكر علي . وقال قوم : ( 5 ) أخذ برأس أخيه
--> ( 1 ) في المصدر : وأما قوله : " لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " فليس يدل على أنه وقع على سبيل الاستخفاف ، بل لا يمتنع اه . ( 2 ) في المصدر : على سبيل الامتعاظ والأنفة . وهو غلط من الناسخ ، والصحيح : الامتعاض من امتعض من الامر أي غضب منه وشق عليه . ( 3 ) في المصدر : اخذ برأسه يجره إليه . ( 4 ) هذا وما بعده يخالف قوله " يجره إليه " . ( 5 ) في المصدر : قال قوم في هذه الآية : إن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام ، حتى أن هارون عليه السلام كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السلام : أنت قتلته ، فلما وعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها له بعشر وكتب له في الألواح من كل شئ وخصه بأمور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الآية في الجبل ومن كلام الله تعالى له وغير ذلك من شريف الأمور ثم رجع إلى أخيه أخذ برأسه ليدنيه إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى من ذلك ويبشره فخاف هارون اه .