محمود شيت خطاب

443

الرسول القائد

عظيمة أيضا ؛ يكفي أن نذكر موقف المسلمين من صلح ( الحديبية ) ، إذ لولا ثقتهم العظيمة به ، لرفضوا هذا الصلح . أما ثقته بأصحابه فيكفي للدلالة عليها أنه قبل زجّ قواته في معركة ( بدر ) ، بينما كانت قوات المشركين ثلاثة أمثال قوته ؛ كما زجّ بهم في معركة ( أحد ) ، بينما كانت قوات المشركين خمسة أمثال قواته . . . الخ . ولا يمكن أن يقبل القائد الاشتباك في معركة لا يعرف مصيرها ضد أعدائه المتفوقين على قواته فواقا ساحقا ، إلا إذا كان ذلك القائد يثق بقواته ثقة عظيمة جدا . . . ط - المحبة المتبادلة : ظهرت محبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه ، ومحبة أصحابه له في كل غزواته ، بل في كل موقف له في السلم والحرب . حسبنا أن نذكر موقف أصحابه منه في معركة ( أحد ) ، حين أحدق به المشركون من كل جانب وصوبوا عليه نبالهم ؛ فأخذ المسلمون يصدون عنه النبال المصوّبة عليه بأجسادهم . ولم يقتصر ذلك على الرجال ، بل شمل النساء أيضا ، فقد ألقت نسيبة الخزرجية سقاءها ، واستلّت سيفا وأخذت تذود به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى خلصت الجراح إليها ، فأصيبت يومذاك بثلاثة عشر جرحا ، وأغمي عليها من النزيف ؛ فلما أفاقت لم تسأل عن زوجها الذي شهد ( أحدا ) ولا عن ولديها اللذين كانا يقاتلان مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، بل سألت أول ما سألت بعد أن عاد إليها وعيها : ( وكيف حال الرسول ) ؟ . . . ولما مرض مرضه الذي توفاه اللّه فيه ، اعتكف في بيت عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها ، فرفع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الستر المضروب على منزل عائشة وفتح الباب وبرز للناس ، فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم ابتهاجا برؤيته . ولما قبض الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وتسرب النبأ الفادح ، شعر المسلمون أن آفاق المدينة أظلمت عليهم ، فتركتهم لوعة الثكل حيارى لا يدرون ما يفعلون .