محمود شيت خطاب
281
الرسول القائد
ولكن خروجه عن الطريق العام إلى طريق فرعية باتجاه مكة ، جعل طلائع قريش تضطر إلى الاسراع في العودة أدراجها للدفاع عن مكة ، لأن المسلمين هدّدوها تهديدا مباشرا وأصبحوا قريبين منها . ولم تكن حركة المسلمين على هذه الطريق خوفا من قوات قريش ، لأن الذي يخاف عدوه لا يقترب من قاعدته « 1 » الأصلية وهي مركز قواته ، بل يحاول الابتعاد عن قاعدة العدو الأصلية حتى يطيل خطوط مواصلات « 2 » العدو ، ويذلك يزيد من صعوباته ومشاكله ويجعل فرصة النصر أمامه أقلّ من حالة الاقتراب من قاعدته الأصلية . وعندما وصل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ( الحديبية ) بقي مصرا على هدفه ( السلام ) الذي لم ينسه قط : أفسح المجال لمفاوضي قريش بالقدوم إلى معسكر المسلمين في كل وقت للتأكد من نيات المسلمين السلمية ، وأرسل مفاوضين من المسلمين ليؤكدوا للمشركين صدق نياتهم السلمية . وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر المسلمين ورموهم بالنبل ، حاول المسلمون حينذاك أن يلقوا القبض على المهاجمين دون أن يوقعوا بهم خسائر بالأرواح أو بالأموال ؛ فاستطاعوا فعلا تطويقهم والقبض عليهم ، ثم أطلقوا سراحهم وأعادوهم إلى قريش دون أن يلحقوا بهم أي أذى . ألا يدل ذلك على إصرار الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على التفاهم مع قريش وإحلال السلم بين الطرفين ؟ لقد لاحظنا في هذه الغزوة دون غزوات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم الأخرى ، أنه لم يستشر أصحابه في عقد الهدنة واستقلّ هو برأيه ، وسبب هذا الإصرار على
--> ( 1 ) - القاعدة : هي المنطقة التي يستند إليها الجيش قبل شروعه في العمليات الحربية ، والقاعدة نوعان : قاعدة العمليات وقاعدة التموين ، وتتوحدان على الأغلب ويندر ان تكونا منفصلتين . ( 2 ) - خطوط المواصلات : هي الخطوط التي تربط الجيش بقاعدته .