محمود شيت خطاب

262

الرسول القائد

وحكم سعد بن معاذ على بني قريظة بأن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال يدلّ على عقيدته الراسخة أيضا . لقد كان سعد سيد الأوس حلفاء بني قريظة في الجاهلية ، وقد توقّع يهود أن تنفعهم هذه الصلة القوية عند الحكم عليهم ، كما توقّع الأوس أيضا أن يتساهل سعد مع أصدقائهم وأصدقائه الأقدمين ، بل استقبله الأوس حين قدومه للحكم هاتفين : يا أبا عمرو ! أحسن في مواليك . وقد أحسنت الخزرج قبل ذلك في مواليها من يهود عندما استسلموا للمسلمين ، فلماذا لا يحسن الأوس إلى مواليهم مثلما أحسن الخزرج ؟ ولكنّ سعدا صاح بقومه وقد أكثروا عليه الرجاء : ( قد آن لسعد ألا تأخذه في اللّه لومة لائم ) . . . وأصدر سعد حكمه العادل غير متأثر بالأهواء بل بعقيدته الراسخة فقط وإيمانه العظيم . وماذا يعني دخول عبد اللّه بن عتيك وحده الحصن الذي يسكنه اليهودي أبو رافع بن أبي الحقيق في وسط أهله وعشيرته ، وتعريض عبد اللّه نفسه للخطر الداهم ، بينما أبقى أصحابه خارج الحصن في أمان ؟ هل يعني هذا العمل إلا استئثار القائد لنفسه بالخطر دون أصحابه طمعا في الشهادة ، وقد كان بإمكانه أن يبعث أحد أصحابه لينهض بهذا الواجب ، ولكنه آثر أن ينهض بنفسه بهذا العمل كله ، فنجح في القضاء على ابن أبي الحقيق ، والتحق بأصحابه ليلا بعد أن كسرت رجله أثناء نزوله من سطح الحصن . . . هذه الأمثلة التي ظهرت لنا في هذه الفترة من حياة المسلمين ومثلها كثير ، تدلّ بوضوح على رسوخ العقيدة في نفوسهم ، مما جعلهم يستهينون بكل شيء في سبيل عقيدتهم .