محمود شيت خطاب
260
الرسول القائد
ومع ذلك فالموقف جدّ مختلف بين موقف يهود الذين خانوا عهودهم في غزوة الخندق وبين يهود بني قريظة ، إذ أن خيانة هؤلاء ونكثهم عهودهم كان في أحرج الأوقات وأشدها خطورة على مستقبل الاسلام والمسلمين . . . فهل يبقي المسلمون سلما على بني قريظة أيضا ليقوموا بدور أسلافهم بني قينقاع وبني النضير ؟ لقد كان بإمكان يهود بني قريظة ان يتخلصوا من القتل لو أعلنوا إسلامهم كما فعل ثلاثة رجال منهم ، فنجوا بحياتهم وأموالهم . ولم يقض المسلمون بالقتل إلا على الرجال الذين قاتلوهم ( فعلا ) بعد أن خانوا عهودهم وعرّضوا المسلمين للإبادة ، أما الأطفال والنساء فلم يصابوا بأذى ، كما أن الذين ثبتوا على عهودهم من يهود لم يصابوا بسوء . والمرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة هي التي قتلت مسلما بقذفه بالرحى من فوق سطحها ، وإنما كان قتلها على جريمتها هذه لا بسبب آخر . أما قتل أبي رافع بن أبي الحقيق ، فلأنه أحد رؤوس يهود الذين حرّضوا الأحزاب ، وقتله كان عبرة لغيره من الذين يحاولون محاولته في المستقبل ؛ وحتى قوانين الحرب الدولية الحديثة تجيز القتل في مثل هذا الموقف ، فهذا اليهودي كان من بني النضير الذين أرادوا اغتيال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فحاصرهم وتغلّب عليهم واضطرهم على الاستسلام ، ثم سمح لهم بالرحيل بعيدا عن المدينة على ألا يعودوا إلى قتاله أو التحريض عليه ، فإذا نكث هذا بالعهد وحرّض الأحزاب على تطويق المدينة ، وحرّض بني قريظة على نكث عهدهم مع المسلمين . إذا كانت هذه أعماله بعد أن أطلقه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مع قومه بعد استسلامهم ، فمن حق المسلمين أن يقتلوه كمجرم حرب لا كمحارب شريف « 1 » .
--> ( 1 ) - راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي . يطلق الأسير إذا اعطى كلمة ( الشرف ) بألا يقاتل الدولة التي أطلقت سراحه ولا يحرض على قتالها ، فإذا أخل بكلمة الشرف التي أعطاها والتحق بالجيش ثم أسرته الدولة التي أطلقت سراحه ، جاز محاكمته على إخلاله ، والعقوبة في العادة هي الإعدام .