محمود شيت خطاب
193
الرسول القائد
ومع ذلك استطاع محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به ، ويخلّص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد . إنّ فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد إحاطتهم بقواتهم المتفوّقة يعتبر إخفاقا لهم . وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين بخسائر نسبتها عشرة بالمائة من قواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم . وبالإضافة إلى نجاح المسلمين في التخلّص من الفناء التام في معركة ( أحد ) ، فقد نجحوا في معرفة المنافقين بين صفوفهم قبل المعركة وبعدها ، مما أتاح لهم القيام بالتطهير العام في صفوفهم بعد ( أحد ) على هدى وبصيرة . . . وبذلك تظهر الفائدة العظيمة لغزوة ( أحد ) للمسلمين . إنّ نتيجة معركة ( أحد ) نصر ( تعبوي ) للمشركين على المسلمين ، ولكنها فشل ( سوقي ) للمشركين . ولا يعدّ النصر التعبوي شيئا يذكر إلى جانب الفشل السوقي « 1 » . وصدق اللّه العظيم : ( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ « 2 » فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا « 3 » وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) « 4 » ؟ !
--> ( 1 ) - التعبية : الأعمال العسكرية في المعركة ، أو هي الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير معركة واحدة . والسوق : هو الاستفادة من المعارك للحصول على الغرض من الحرب ، أو هو الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير الحرب كلها . ذلك هو تعريف السوق والتعبية بصورة موجزة للغاية تعطي ( فكرة ) للمدنيين فقط ، إذ ان لكل من هذين الاصطلاحين تعريفات كثيرة طويلة تستغرق كثيرا من كتب فن الحرب . ومن ذلك يتضح أن السوق يعني نتائج الحرب كلها بينما التعبية تعني نتائج معركة واحدة محلية . ( 2 ) - قرح : جراح . ( 3 ) - أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين . ( 4 ) - الآيات الكريمة من سورة آل عمران 3 : 138 - 142 .